البحرين أمام المحكمة العليا البريطانية: معركة قانونية في عصر التجسس الرقمي

تتجه الأنظار اليوم إلى المحكمة العليا في المملكة المتحدة حيث تستعد البحرين لخوض واحدة من أكثر القضايا حساسية وارتباطًا بسمعتها الدولية، بعد أن قررت أعلى درجات التقاضي البريطانية النظر في طعن المنامة بشأن حقها في التمتع بالحصانة السيادية ضد دعوى رفعها معارضان بحرينيان يتهمان الحكومة باختراق أجهزتهما الإلكترونية أثناء إقامتهما في لندن.
وتمثل القضية، التي شقت طريقها عبر المحكمة العليا البريطانية ثم محكمة الاستئناف، اختبارًا لما إذا كان قانون حصانة الدولة البريطاني لعام 1978 ما زال قادرًا على مجاراة تحديات المراقبة الرقمية العابرة للحدود، في زمن باتت فيه الحكومات الاستبدادية تستخدم التكنولوجيا كسلاح لتعقب معارضيها حتى خارج الحدود.
وكانت البحرين قد خسرت ادعاءها بالحصانة أولاً أمام المحكمة العليا، ثم مجددًا أمام محكمة الاستئناف في أكتوبر الماضي، ما دفعها إلى نقل المعركة نحو المحكمة العليا، في خطوة يرى مراقبون أنها لم تعد مرتبطة بالدعوى ذاتها بقدر ما تتعلق بـ«سمعة النظام البحريني» وقدرته على الإفلات من المساءلة في المحافل الدولية.
والجلسة التي بدأت اليوم تركز على سؤال محوري: هل يحق للضحيتين المطالبة بتعويضات رغم ادعاء البحرين الحصانة السيادية؟.
ولا تبحث المحكمة في هذه المرحلة صحة الاتهامات أو حجم الأضرار، بل في مبدأ المسؤولية نفسه.
اتهامات بتجسس ممنهج
يتهم المعارضان الدكتور سعيد شهابي وموسى محمد حكومة البحرين باستخدام برنامج مراقبة ألماني متطور يدعى FinFisher (أو FinSpy) لاختراق حواسيبهما عام 2011، ما تسبب – بحسب قولهما – بأضرار نفسية مباشرة.
وبحسب ما قدمته شركة المحاماة البريطانية Leigh Day التي تمثل الضحيتين، فإن البرنامج قادر على تسجيل كل ضغطة مفتاح وسرقة الرسائل والمكالمات والبريد الإلكتروني والوصول للصور والفيديوهات والوثائق إلى جانب مراقبة الكاميرا والميكروفون مباشرة واستخراج قواعد البيانات وسجل التصفح.
وتجعل هذه القدرات البرنامج «سلاحًا تجسسيًا شاملًا»، ما يشير – من وجهة نظر الدفاع – إلى عملية مراقبة ممنهجة لا مجرد انتهاك عابر.
محكمة الاستئناف: الاختراق جرى داخل المملكة المتحدة
أحد أهم أسباب خسارة البحرين أمام محكمة الاستئناف كان التفسير القانوني لمكان وقوع «الفعل». فقد رأت المحكمة أن التلاعب عن بُعد بجهاز موجود داخل بريطانيا يُعد فعلًا داخل أراضي المملكة المتحدة، حتى لو تمت العملية التقنية من خارجها.
وبالتالي، فإن المادة الخامسة من قانون حصانة الدولة تنطبق، والتي تمنع الدول الأجنبية من التمتع بالحصانة في حالات الإصابة الشخصية داخل بريطانيا — بما في ذلك، كما فسرت المحكمة، الإصابة النفسية.
كما أكدت المحكمة وجود أدلة خبراء تشير إلى أن أجهزة الكمبيوتر بالفعل اُخترقت عبر برمجيات تجسس مصدرها «جهات مرتبطة بالبحرين»، وفق معيار «الترجيح»، ما يجعل القضية قابلة للانتقال إلى محاكمة كاملة في حال خسرت البحرين جولة الحصانة.
وقد رحّب المعارضان بجلسة المحكمة العليا، معتبرين أنها فرصة لكشف نطاق «القمع العابر للحدود» الذي تمارسه المنامة.
يقول سعيد شهابي: «هذه قضية تتجاوز شخصي وموسى. إنها رسالة للحكومات التي تلاحق المعارضين السلميين حتى داخل بريطانيا».
أما موسى محمد فيروي تأثير الاختراق على حياته: «ما حدث دمّر ثقة الناس بي… أصاب حياتي المهنية والاجتماعية. لا يمكن السماح لدولة أجنبية بأن تختبئ خلف الحصانة لتدمير حياة المنفيين».
واللافت أن الرجلين قد سُحبت جنسيتهما البحرينية، وهو إجراء سبق أن انتقدته منظمات حقوقية دولية واتهمت البحرين باستخدامه لمعاقبة المعارضين في الخارج.
تقول المحامية إيدا أدوا من شركة Leigh Day إن القضية قد تضع سابقة قانونية بالغة الأهمية: «هذه الدعوى تختبر كيفية محاسبة الدول التي تستخدم أدوات تجسس intrusive ضد نشطاء المجتمع المدني داخل بريطانيا. إنها قضية تنتظرها عشرات الملفات المشابهة».
ويعتقد المراقبون أن الحكم – أيًا كان – ستكون له تداعيات واسعة على تعامل القضاء البريطاني مع قضايا التجسس السيبراني الذي تنفذه حكومات أجنبية.
فإذا فازت البحرين، فقد يُعتبر ذلك توسيعًا كبيرًا لمفهوم الحصانة السيادية، بما يسمح لأنظمة استبدادية بالاختباء وراءها. أما إذا خسرت، فسيُفتح الباب لموجة قضايا مماثلة ضد حكومات تستخدم برامج تجسس مثل Pegasus وFinFisher وغيرها.















