غزة تختنق جوعاً: كارثة إنسانية غير مسبوقة بفعل سياسة التجويع الإسرائيلية

يشهد قطاع غزة واحدة من أشد الأزمات الإنسانية فتكًا في تاريخه الحديث، مع تفاقم سياسة التجويع المتعمد وغياب المواد الأساسية، في ظل حصار خانق وضربات عسكرية متواصلة.

وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن الوضع بلغ حدًّا من التدهور بات فيه الجوع أداة حرب ممنهجة تُستخدم ضد أكثر من مليوني إنسان محاصر في شريط ساحلي ضيق.

الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي حذّرا في تقارير حديثة من أن نحو نصف مليون شخص في غزة يواجهون خطر المجاعة الكارثية – أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وفق التصنيف الدولي.

ووفقًا لمنظمة اليونيسيف، فإن جميع سكان القطاع تقريبًا يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، فيما ارتفعت معدلات سوء التغذية بين الأطفال بنسبة مقلقة خلال الأشهر القليلة الماضية.

تشير الأرقام إلى أن أكثر من 71 ألف طفل يواجهون خطر سوء التغذية الحاد، إلى جانب أكثر من 17 ألف امرأة حامل أو مرضعة.

وقد شهد شهر يونيو وحده دخول آلاف الحالات إلى المستشفيات بسبب الجوع الحاد وضعف المناعة وتفشي الأمراض المعدية، نتيجة غياب الماء النظيف والخدمات الصحية الأساسية.

في الوقت ذاته، تواصل إسرائيل فرض قيود مشددة على دخول المساعدات الإنسانية، وسط تدمير منهجي للبنية التحتية التي تعتمد عليها عمليات الإغاثة، مثل محطات تحلية المياه والمخابز والمراكز الصحية.

وقد قفزت أسعار المواد الغذائية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تتجاوز 4000%، والدقيق بنسبة تفوق 450%.

العديد من المراكز الحقوقية، مثل مركز الميزان، حذّرت من أن ما يجري في غزة لم يعد أزمة طارئة بل كارثة إنسانية شاملة، تتعمق يومًا بعد يوم بفعل الحصار والتجويع وسياسات العقاب الجماعي. وقد وصفت جهات حقوقية دولية هذا الواقع بأنه “إبادة بطيئة تُمارس على مرأى من العالم”.

في هذا السياق، وُثّقت حالات عديدة لأشخاص قُتلوا أو أُصيبوا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية من الشاحنات القليلة التي يُسمح بدخولها إلى شمال القطاع.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن إسرائيل تستخدم “سياسة التجويع” كسلاح ضغط سياسي وعسكري، وهي سياسة لم تعد سرًا بل صارت تُعلن بشكل علني في تصريحات بعض المسؤولين، بحسب افتتاحية نشرتها صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية.

وفي كلمة ألقاها المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، أكد أن “عائلات بأكملها وأحياء سكنية وجيلًا كاملًا مهدد بالزوال، بسبب التجويع والحرمان والحرائق، وسط عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ خطوات عملية لوقف الكارثة”.

القطاع المحاصر الذي يعتمد أكثر من 80% من سكانه على المساعدات الدولية، لم يعد قادرًا على الصمود في وجه ما وصفته تقارير منظمات الإغاثة بـ”الانهيار الكامل”، مع استمرار منع دخول الوقود والإمدادات الطبية والمواد الغذائية.

يأتي ذلك في ظل تجاهل دولي متزايد، وتردد عالمي في اتخاذ خطوات فعلية لفرض وقف إطلاق النار أو تأمين ممرات إنسانية آمنة.

وبينما يتفاقم الجوع ويعلو صراخ الأطفال والمرضى في مشافي لا تجد حتى ما يكفي من الشاش والأدوية، تستمر آلة الحرب والسياسات العقابية في إغراق غزة في مزيد من الظلام.

ما يجري في غزة اليوم ليس فقط أزمة إنسانية، بل جريمة متواصلة ضد الإنسانية، تستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا يتجاوز بيانات الإدانة، لفتح المعابر، ووقف سياسة التجويع، وإنقاذ من تبقى قبل أن تتحول هذه الكارثة إلى مجاعة جماعية تطوي ما تبقى من حياة في القطاع المحاصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى