الحوثيون يضغطون على آخر شريان نفطي رئيسي للسعودية مع تصاعد الهجمات في البحر الأحمر

أصبحت صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر تواجه ضغوطاً متزايدة، بعدما وسع الحوثيون نطاق عملياتهم البحرية شمالاً، مستهدفين للمرة الأولى ناقلة نفط سعودية قبالة مدينة ينبع، في تطور يهدد آخر ممر رئيسي تعتمد عليه المملكة لتصدير الخام بعد تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأعلن الحوثيون استهداف ناقلة النفط السعودية “الوفاء” قبالة ساحل ينبع باستخدام صواريخ باليستية، متهمين السفينة بخرق الحصار البحري وتجاهل التحذيرات الصادرة عنها، في حين يمثل الهجوم أبعد نقطة شمالية تصل إليها عمليات الجماعة منذ إعلانها فرض حصار بحري على السعودية في 22 يوليو الماضي.
ويأتي التصعيد في وقت أصبحت فيه السعودية تعتمد بصورة متزايدة على البحر الأحمر وميناء ينبع لتصدير نفطها، بعد إغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من توقف معظم حركة الصادرات النفطية عبر الخليج.
وأدى تحويل مسار الصادرات إلى البحر الأحمر إلى ارتفاع غير مسبوق في حركة الناقلات عبر باب المندب، حيث تضاعفت أحجام الشحنات عدة مرات، بينما سجل ميناء ينبع أحد أكثر أيامه ازدحاماً مع توافد الناقلات العملاقة لتحميل النفط السعودي.
ويمثل انتقال الهجمات الحوثية شمالاً تحولاً لافتاً في طبيعة العمليات البحرية، إذ كانت الجماعة تركز في السابق على استهداف السفن في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، قبل أن توسع نطاق عملياتها باتجاه السواحل السعودية الشمالية.
ويقول الحوثيون إنهم استهدفوا منذ بدء الحصار البحري ثماني ناقلات نفط، بينها خمس ناقلات سعودية، كما أعلنوا أن عشرات السفن السعودية امتنعت عن عبور باب المندب خلال الأسبوعين الأولين من الحصار، مؤكدين أنهم سيواصلون سياسة “الحصار مقابل الحصار” وأن أي تصعيد سيقابل بتصعيد مماثل.
وفي المقابل، لم تؤكد السلطات السعودية وقوع الضربات التي أعلنتها الجماعة، بينما تم التحقق من عدد محدود من الحوادث البحرية من قبل الجهات الدولية المختصة بأمن الملاحة.
ويهدد استمرار التصعيد بزيادة الضغوط على قطاع الطاقة السعودي، بعدما أصبح البحر الأحمر يمثل المنفذ الرئيسي المتبقي لصادرات النفط عقب توقف الاعتماد على مضيق هرمز.
وتشير المعطيات إلى أن أي اضطراب إضافي في شمال البحر الأحمر أو بالقرب من قناة السويس سيؤثر مباشرة على قدرة المملكة على المحافظة على مستويات صادراتها الحالية، كما سيرفع تكاليف النقل والتأمين والشحن.
وأجبرت المخاطر الأمنية عدداً من الناقلات السعودية على تغيير مساراتها والإبحار حول القارة الإفريقية بدلاً من المرور عبر باب المندب، بينما لجأت سفن أخرى إلى إيقاف أجهزة التعريف الإلكترونية أثناء العبور لتقليل احتمالات استهدافها.
غير أن هذا الخيار يفرض تكاليف إضافية كبيرة، إذ يؤدي الالتفاف حول إفريقيا إلى إطالة الرحلات المتجهة نحو الأسواق الآسيوية بنحو أربعة أسابيع، فضلاً عن زيادة استهلاك الوقود ورسوم العبور.
كما تواجه السعودية تحدياً إضافياً عند استخدام قناة السويس، لأن معظم صادراتها تنقل بواسطة ناقلات نفط عملاقة لا تستطيع عبور القناة بكامل حمولتها بسبب قيود العمق، ما يضطرها إلى استخدام ناقلات أصغر أو المرور بحمولة جزئية، وهو ما يقلل كفاءة عمليات التصدير ويرفع تكاليفها.
وتعتمد المملكة أيضاً على خط الأنابيب الممتد من شرق البلاد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لنقل النفط بعيداً عن الخليج، وهو الخط الذي اكتسب أهمية استراتيجية كبيرة منذ تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
كما يشكل خط أنابيب “سوميد” في مصر أحد البدائل التي تسمح بتفريغ جزء من شحنات الناقلات قبل عبور قناة السويس ثم إعادة تحميلها في البحر المتوسط، إلا أن هذا الخيار لا يلغي التحديات اللوجستية والمالية التي تواجهها عمليات التصدير.
ويثير التصعيد الحوثي مخاوف من توسيع دائرة الاستهداف لتشمل سفناً تجارية أخرى وواردات غير نفطية، الأمر الذي قد يزيد الضغوط على حركة الملاحة في البحر الأحمر، الذي يمر عبره ما بين 10 و12 في المائة من التجارة العالمية.
ورغم استمرار الهجمات، لم يظهر حتى الآن تأثير كبير على الإنتاج النفطي السعودي، إذ أعلنت شركة أرامكو تحقيق نمو في أرباح الربع الثاني بنسبة 33 في المائة، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز.
كما خفضت السعودية خلال الأيام الأخيرة سعر خامها الرئيسي المخصص للأسواق الآسيوية، في خطوة عكست استمرار تدفق الصادرات وعدم حدوث اضطراب واسع حتى الآن، بالتزامن مع ترقب التوصل إلى تفاهمات قد تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز.
لكن استمرار الضغوط في البحر الأحمر يعني أن آخر منفذ استراتيجي تعتمد عليه المملكة لتصدير نفطها بات يواجه تحدياً أمنياً متزايداً، الأمر الذي يضع حركة التجارة والطاقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين إذا استمر التصعيد البحري خلال الفترة المقبلة.















