ارتفاع معدلات البطالة.. تحدي اقتصادي واجتماعي متصاعد في عُمان

تواجه سلطنة عُمان تحدياً اقتصادياً واجتماعياً متصاعداً يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة بين مواطنيها، رغم سلسلة من الإصلاحات والبرامج الحكومية التي تهدف إلى معالجة الأزمة.
وقالت دراسة صادرة عن البيت الخليجي للدراسات والنشر، إنه رغم ما تبذله حكومة مسقط من جهود عبر سياسات التعمين، وبرامج التدريب، والدعم الموجه للشباب، فإن الأرقام تكشف أن هذه التدابير ما زالت قاصرة عن مواجهة عمق المشكلة.
وبحسب الدراسة تبلغ القوة العاملة في السلطنة نحو 2.5 مليون شخص، يشكل العُمانيون منهم 32% فقط (0.8 مليون)، فيما يسيطر الوافدون على 68% (1.7 مليون).
وبالنظر إلى القطاعات، يعمل 43.6% من العُمانيين في القطاع الحكومي و56.4% في القطاع الخاص، مع ميل واضح لدى المواطنين نحو الوظائف الحكومية بما تحمله من مزايا وأمان وظيفي.
ووصل عدد العاطلين عن العمل إلى 85.3 ألف عُماني، بينهم 51.4 ألف من النساء (60.2%) و33.9 ألف من الرجال. ما يجعل بطالة النساء ظاهرة أكثر عمقاً، مقارنة بدول مجاورة مثل السعودية التي تبلغ بطالة النساء فيها 72.4%، رغم جهودها الأخيرة في تمكين المرأة.
مؤشرات مقلقة
تشير الإحصاءات إلى أن حجم سكان السلطنة بلغ عام 2022 نحو 4.93 مليون نسمة، بينهم 2.86 مليون عُماني. وبحساب الفئة العمرية بين 15 و64 سنة، يصبح المؤهلون للعمل نحو 1.65 مليون عُماني. ومن خلال هذه البيانات، برزت ثلاثة مؤشرات رئيسية:
معدل المشاركة الاقتصادية: 53.7%، وهو متدنٍ مقارنة بالمعايير الدولية (70-90%). أي أن نصف العُمانيين في سن العمل خارج السوق، لا هم عاملون ولا عاطلون.
معدل التشغيل: 48.5%، فيما يبلغ متوسط الاتحاد الأوروبي 69.9%. ما يعني أن الاقتصاد العُماني لا يوظف سوى نصف طاقاته البشرية.
معدل البطالة: 9.6% من القوى النشيطة، في مقابل 3.5% فقط في الإحصاءات الرسمية التي تدمج العُمانيين بالوافدين. وهذا الدمج يضلل الصورة الحقيقية.
الأخطر أن معظم العاطلين هم من حملة الشهادات الجامعية، ما يعكس فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
أسباب تعثر الإصلاحات
رغم إعلان الحكومة خططًا مثل “رؤية عُمان 2040” والخطة الخمسية العاشرة (2021-2025)، فإن قدرة الدولة على خلق وظائف جديدة تواجه عقبات مالية.
وسجلت ميزانية 2025 عجزًا قدره 620 مليون ريال، نتج عن تراجع عوائد النفط والغاز وتزايد الإنفاق على الدفاع والأمن (26% من النفقات). بينما لا تتعدى الاستثمارات 7% من إجمالي النفقات، ما يحد من فرص خلق وظائف مستدامة.
التدابير الحكومية
اتبعت الحكومة عدة سياسات لمواجهة البطالة، من أبرزها:
التعمين: منذ 1988 تهدف السياسة إلى إحلال العمالة العُمانية محل الوافدة. لكن تقارير دولية أكدت أن تشغيل المواطنين تراجع في السنوات الأخيرة، فيما ظل الوافدون يحتفظون بمواقعهم بسبب كلفتهم الأقل.
البرنامج الوطني للتشغيل: يوفر قروضاً منخفضة الفائدة (0-2%) للشباب لتأسيس مشاريعهم. لكن ضعف خبرة المستفيدين في إدارة الأعمال أدى إلى محدودية النتائج.
منصة توطين: أطلقتها وزارة العمل لتسهيل ربط العاطلين بالوظائف الشاغرة. حتى منتصف 2025، سجلت المنصة 1396 مؤسسة عرضت 2376 وظيفة، وهو رقم متواضع قياساً بحجم البطالة.
لجان حوكمة التشغيل: عددها 17 لجنة متخصصة، تعمل على ربط التدريب المهني بالتخصصات المطلوبة في السوق.
الأمان الوظيفي: يوفر إعانة للعاطلين (60% من الأجر لمدة 6 أشهر). لكنه يستثني العاملين لحسابهم الخاص ولا يغطي من ترك عمله بإرادته. بلغ عدد المستفيدين 16 ألفاً في 2025 مقابل 13 ألفاً في 2022، ما يعكس تفاقم الأزمة.
تحديات جوهرية
رغم هذه المبادرات، لم تنخفض البطالة، بل ارتفعت من 65.4 ألف عاطل عام 2020 إلى 85.3 ألفاً عام 2022. ويرجع ذلك إلى:
محدودية قدرة القطاع الحكومي على التوظيف.
تفضيل المواطنين الوظائف الحكومية على الخاصة لارتفاع الرواتب وضمانات التقاعد.
إصرار مؤسسات القطاع الخاص على توظيف وافدين بسبب انخفاض التكلفة. إذ تشير تقارير وزارة العمل إلى أن 245 ألف منشأة لا توظف عُمانياً واحداً رغم اعتمادها على أكثر من مليون وافد.
هذا الخلل أفضى إلى موجات احتجاجية شهدتها السلطنة في 2011 و2018 و2019 و2021، وكانت البطالة السبب الرئيس فيها.
ووفق استطلاعات “المركز الوطني للإحصاء والمعلومات” لعام 2025، لا تتعدى نسبة رضا العُمانيين عن فرص عمل الشباب 36%، وهي نسبة ثابتة منذ سنوات، بما يعكس فقدان الثقة في فعالية السياسات الحكومية.















