السعودية تعيد تعريف هويتها بتغيير قواعد اللباس والصراع مع التقاليد

قالت صحيفة فايننشال تايمز الأمريكية إن المملكة العربية السعودية تعيد تعريف هويتها بتغيير قواعد اللباس والصراع مع التقاليد مع تراكم سنوات خطط التغيير التي يفرضها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وذكرت الصحيفة أنه عندما أطلق بن سلمان خطته لإصلاح اقتصاد السعودية ومجتمعها في عام 2016، حصل بعض المصورين على إمكانية الوصول إليه بطريقة غير مسبوقة بالنسبة لزعيم سعودي.

وبحسب الصحيفة فإن إحدى الصور التي لا تُنسى، ظهر محمد بن سلمان خلف مكتبه مرتدياً ثوبه الأبيض المفتوح عند الياقة، بدون شماغ وبدون البشت المطرز بالذهب على كتفيه.

كانت الرسالة واضحة: الأمير الشاب جاد في أعماله، وهو في عجلة من أمره ولا يملك الوقت للبروتوكولات أو المظاهر الفخمة. هذا المظهر العملي كان متماشياً مع جدول الإصلاحات الذي يدفعه بقوة.

يسعى محمد بن سلمان إلى تغيير صورة المملكة من كونها محافظة وتقليدية إلى دولة منفتحة وترحب بالسياح والمستثمرين الأجانب في إطار تعهده بتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على عائدات النفط.

تم تقييد نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي كانت تجوب الشوارع لمضايقة النساء غير المحجبات أو الرجال الذين يرتدون السراويل القصيرة. مع تبني جيل الألفية وجيل “زد” الحريات الجديدة، انهارت بسرعة القواعد الصارمة الخاصة بالفصل بين الجنسين والملابس.

بتشجيع من الإشارات التي جاءت من القمة، بما في ذلك صور الأمير وهو يرتدي شورت وقميص مع قادة ومسؤولين خليجيين، بدأ الناس في ارتداء الملابس الأكثر عفوية في المناسبات الاجتماعية والعمل. أصبحت المكاتب الجديدة مفتوحة مع أكياس القماش الملونة ومقاهي داخلية، على غرار شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون.

قدمت الفعاليات التي ترعاها الحكومة، مثل الحفلات الموسيقية ومهرجان الموسيقى “MDL Beast”، فرصة للناس للتعبير عن أنفسهم من خلال مظهرهم بطريقة كانت لا تُتصور قبل بضع سنوات. “نحن الآن دولة طبيعية”، قالت لي إحدى المهنيات الشابات.

ولكن هناك غموض حول ما هو مسموح وما هو غير مسموح، وظهرت مؤخراً ردود فعل سلبية على المستويين الاجتماعي والحكومي، حيث رأى بعض المسؤولين أن اللباس غير الرسمي قد تجاوز الحدود.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، صدرت سلسلة من المراسيم لإعادة المعايير القديمة والتأكيد على أهمية إظهار الهوية السعودية من خلال الملابس.

أصدر الملك في فبراير الماضي أمراً يلزم الوزراء وكبار المسؤولين بارتداء البشت عند وصولهم إلى العمل وعند المغادرة، وفي المناسبات الرسمية. وفي اليوم التالي، شوهد مساعدون وهم يهرعون لضمان عدم تصوير رؤسائهم دون البشت في أحد المنتديات الإعلامية.

وبعد شهرين، أصدر الملك مرسوماً آخر يأمر جميع الدوائر الحكومية بأن يرتدي موظفوها الثوب والغترة خلال ساعات العمل، ما لم تكن هناك ملابس مهنية خاصة ضرورية مثل في قطاع الصحة والهندسة. وتم تكليف وزارة الإعلام وهيئة الرقابة ومكافحة الفساد بإعداد تقارير منتظمة حول مدى التزام الموظفين والمسؤولين وغيرهم بهذه القواعد.

ومع تغير الإشارات القادمة من القمة، تبعت المؤسسات الأخرى نفس النهج. مع انطلاق العام الدراسي الجديد الشهر الماضي، أصدرت الجامعات والمدارس تعليمات للطلاب بارتداء “الزي السعودي الرسمي” في الحرم الجامعي، ما أثار نكاتاً حول كيفية تثبيت الغترة أثناء ممارسة التمارين في الطابور الصباحي.

وقد حذرت إحدى الجامعات في مدينة جدة الساحلية، التي عرفت منذ فترة طويلة بتقاليدها الاجتماعية المتحررة، الطلاب الذين لا يحترمون قواعد اللباس من أنهم سيُمنعون من دخول الفصول الدراسية والمكاتب الإدارية.

ودعا عبدالله الفوزان، عالم الاجتماع ونائب رئيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، حتى المشجعين في المباريات الرياضية إلى ارتداء الملابس الرسمية “لحماية هويتنا الوطنية”.

وقد سخر الشباب من هذه الدعوة على نطاق واسع باعتبارها شيئاً لم يُشاهد في المدرجات منذ ما يقرب من 30 عاماً، لكن وزير الإعلام أصدر تعليماته بعد ذلك لمقدمي البرامج والمحللين الرياضيين على التلفزيون الرسمي بضرورة الالتزام بالزي الوطني.

تعكس الفوضى المتعلقة بقواعد اللباس توترات أوسع في مجتمع يكافح للتكيف مع التغييرات الثقافية المفروضة من القمة بسرعة كبيرة. وبينما كانت السعودية دائماً بلد التناقضات، أصبحت الخطوط الحمراء تتحرك وتزداد ضبابية، مما يترك الكثيرين يتساءلون عما إذا كانوا يقفون في الجانب الصحيح أم الخطأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى