تحليل: كيف تنظر أنقرة إلى الرياض… ولماذا لا تزال بحاجة إلى أبوظبي؟

كشفت الباحثة غونول تول في تحليل سياسي أن التقارب المتزايد بين تركيا والسعودية لا يعني بالضرورة توجّه أنقرة نحو قطيعة مع دولة الإمارات، رغم تصاعد التنافس بين الرياض وأبوظبي في ملفات إقليمية عدة، أبرزها اليمن والقرن الأفريقي.
وبحسب تول، بدأت تركيا في الآونة الأخيرة بالاقتراب أكثر من السعودية، في ظل تزايد التباين بين الرياض وأبوظبي، وهو ما عكسه تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مقابلة تلفزيونية مطلع يناير، حين أقرّ بأن «التطورات الإقليمية، ولا سيما الأخيرة منها، تشكّل تهديدًا للسعودية».
وأشارت الباحثة إلى أن تقارير تلت ذلك تحدثت عن مساعٍ تركية للانضمام إلى اتفاق الدفاع المشترك الموقّع بين السعودية وباكستان في سبتمبر الماضي، والذي ينص على اعتبار أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على الطرف الآخر.
وأوضحت تول أن هذه التطورات دفعت بعض الدوائر في واشنطن والشرق الأوسط إلى الحديث عن تشكّل محور تركي–سعودي مدعوم بهيكل أمني شبيه بحلف شمال الأطلسي، وموجّه ضمنيًا ضد كل من إسرائيل والإمارات. غير أنها شددت على أن هذا التوصيف «مبالغ فيه»، ولا يعكس بدقة حسابات أنقرة الفعلية.
وقالت تول إن الرؤية الإقليمية لتركيا باتت تتقاطع بشكل متزايد مع رؤية السعودية في ملفات اليمن وسوريا وليبيا والسودان والقرن الأفريقي، حيث يفضّل الطرفان دعم الدول المركزية القوية باعتبارها أساسًا للاستقرار، في مقابل سياسات إماراتية دعمت في أكثر من ساحة قوى محلية تُضعف السلطة المركزية.
وبحسب التحليل، ترى أنقرة أن توثيق العلاقة مع الرياض يحمل أيضًا بعدًا براغماتيًا مرتبطًا بواشنطن، إذ يعتقد صناع القرار الأتراك أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتمتع بقنوات أقوى مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقارنة بولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وهو ما قد يفيد تركيا في معالجة ملفات عالقة مع الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، تؤكد تول أن تركيا لا تستطيع تبنّي موقف عدائي صريح تجاه الإمارات. فبينما ساعدت الاستثمارات السعودية أنقرة في لحظات اقتصادية حرجة، فإن النفوذ المالي الإماراتي – وفق التحليل – أكثر تغلغلًا في بنية الاقتصاد التركي، من أسواق المال وخطوط تبادل العملات إلى الشراكات التجارية والاستثمارية، ما يمنح أبوظبي أدوات ضغط أوسع.
وأضافت الباحثة أن أنقرة لا تزال قلقة من النفوذ الإماراتي في واشنطن، والذي ترى أنه لعب دورًا سابقًا في الإضرار بالمصالح التركية، لا سيما بعد دعم أنقرة لجماعات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين عقب ثورات الربيع العربي.
وفي هذا السياق، ترى تول أن مصلحة تركيا تكمن في الموازنة بين علاقاتها مع الرياض وأبوظبي، لا في الاختيار بينهما. كما اعتبرت أن اتفاق الدفاع السعودي–الباكستاني، حتى في حال انضمام تركيا إليه، لا يعني ولادة «ناتو إسلامي»، بل يندرج في إطار الرسائل السياسية وإظهار التضامن، خصوصًا في ظل تصاعد المخاوف من السياسات الإسرائيلية في المنطقة.
تقاطع تركي–سعودي في ملفات إقليمية
وبيّنت تول أن التحول في السياسة التركية جاء نتيجة دروس قاسية أعقبت الربيع العربي، إذ أدى دعم أنقرة لقوى مناهضة للأنظمة المركزية إلى نتائج عكسية، شملت تدفق ملايين اللاجئين السوريين، وتعقّد الملف الكردي، وخسائر اقتصادية كبيرة في ليبيا، وتراجع النفوذ في شرق المتوسط.
وأشارت إلى أن تركيا منذ عام 2020 أعادت ضبط بوصلتها الإقليمية، فخففت دعمها لجماعات الإسلام السياسي، وسعت إلى ترميم علاقاتها مع دول الخليج، متبنية استراتيجية تقوم على الاستقرار، والتكامل الاقتصادي، ودعم الدول المركزية، وهي مقاربة تتقاطع بشكل واضح مع «رؤية السعودية 2030».
وفي اليمن، لفتت تول إلى أن أنقرة تميل إلى دعم وحدة الدولة اليمنية، منسجمة مع الموقف السعودي، في مقابل دعم إماراتي لقوى انفصالية في الجنوب. وفي سوريا، قالت إن أنقرة والرياض تتحركان بتنسيق لدعم الحكومة الجديدة في دمشق، باعتبار أن وجود سلطة مركزية قوية يخدم مصالح الطرفين، سواء في ملف اللاجئين أو في الحد من النفوذ الإيراني.
أما في السودان، فأوضحت تول أن تركيا والسعودية تدعمان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في مواجهة «قوات الدعم السريع» المدعومة من الإمارات، انطلاقًا من مخاوف مشتركة تتعلق بأمن البحر الأحمر والاستثمارات الاستراتيجية.
وفي ليبيا والصومال، رصدت الباحثة تقاربًا متزايدًا بين الموقفين التركي والسعودي في دعم الحكومات المعترف بها دوليًا، في مقابل سياسات إماراتية دعمت قوى موازية أو انفصالية.
وخلصت تول إلى أن الحديث عن اصطفاف تركي–سعودي ضد محور إماراتي–إسرائيلي يتجاهل حقيقة أن أنقرة لا تريد إقصاء أبوظبي، بل تفضّل ضمّها إلى أي إطار إقليمي يهدف إلى ضبط التوترات. وأشارت إلى أن تركيا تدرك كلفة الصدام مع الإمارات، اقتصاديًا وسياسيًا، خاصة بعد أن أصبحت أبوظبي أحد أهم الشركاء التجاريين والاستثماريين لأنقرة.
وأكدت الباحثة أن اتفاقات الدفاع والتقارب العسكري الجاري ليست مقدمة لتحالف صدامي، بل تعبير عن سعي تركيا والسعودية لتعزيز استقلاليتهما الاستراتيجية في مرحلة تشهد تحولات كبرى في الشرق الأوسط، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الإمارات.















