كيف بنت الإمارات شبكة نفوذ تمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا؟

انتهجت دولة الإمارات سياسة خارجية هجومية، ورسمت لنفسها مجال نفوذ خاصًا يمتد عبر الشرق الأوسط وأفريقيا، وهي استراتيجية عادت إلى دائرة الضوء هذا الأسبوع عقب تصعيد عسكري نادر مع السعودية في اليمن.
اعتمدت أبوظبي على التحالفات مع دول أو وكلاء محليين، والتدخل العسكري، والدعم المالي، أساسًا لمواجهة ما تعتبره تهديدًا مزعزعًا للاستقرار يتمثل في الإسلام السياسي، ولا سيما الجماعات المرتبطة بـ جماعة الإخوان المسلمين.
وقد وصف مسؤولون إماراتيون كبار هذه الاستراتيجية بأنها تهدف إلى تعزيز الدول الوطنية في مواجهة المتطرفين، غير أن خبراء في الأمم المتحدة ومسؤولين غربيين أكدوا أن هذا النهج أسهم في بعض الأحيان في تأجيج الصراعات، وهو اتهام تنفيه الإمارات، بينما يرى منتقدون أنه يعزز قادة سلطويين.
وفيما يلي عرض لأبرز أوجه الدور الإماراتي في عدد من الدول المحورية:
اليمن
أعلنت الإمارات سحب قواتها من اليمن عام 2019، لكنها حافظت على نفوذها عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو فصيل انفصالي قامت بتدريبه وتجهيزه.
وقالت وكالة الأنباء الرسمية (وام)، نقلًا عن بيان لوزارة الخارجية، إن القرار جاء بعد تقييم شامل في ضوء التطورات الأخيرة.
وجاء ذلك عقب تنفيذ تحالف تقوده السعودية غارة جوية على ميناء المكلا في جنوب اليمن، قالت الرياض إنها استهدفت شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات.
وتنظر أبوظبي إلى المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه سَدًّا في مواجهة حزب الإصلاح، وهو فصيل رئيسي في الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية وتعتبره الإمارات امتدادًا للإخوان المسلمين، فضلًا عن كونه شريكًا في تأمين الوصول البحري.
إسرائيل
كسرت الإمارات عقودًا من الإجماع العربي عام 2020، حين طبّعت علاقاتها مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام التي رعتها الولايات المتحدة، في خطوة امتنعت السعودية عن اتخاذها دون وجود مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية.
وقد رسّخت الاتفاقيات اصطفافًا استراتيجيًا ضد خصوم مشتركين، ولا سيما إيران والجماعات الإسلامية المسلحة مثل حماس.
ورغم أن حرب إسرائيل–حماس خفّضت مستوى الانخراط العلني، مع توجيه مسؤولين إماراتيين انتقادات متكررة للسلوك العسكري الإسرائيلي، فإن أبوظبي حافظت على علاقاتها الدبلوماسية، معتبرة إياها أداة محورية للتأثير الإقليمي وقناة فريدة إلى واشنطن.
السعودية
أصدرت الرياض بيانًا شديد اللهجة ضد الإمارات في أعقاب الخلاف بين الجارتين، اللتين تعاونتا سابقًا ضمن تحالف ضد الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن، قبل أن تتباعد مصالحهما هناك تدريجيًا في السنوات الأخيرة.
وقالت السعودية إن أمنها الوطني خط أحمر، وذلك بعد ساعات من غارة جوية نفذها تحالف تقوده على ميناء المكلا، ومنحت القوات الإماراتية مهلة 24 ساعة للمغادرة، في أقسى لغة سعودية حتى الآن تجاه أبوظبي.
وأفادت وكالة الأنباء السعودية بأن الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض نفذت ضربة جوية «محدودة» استهدفت سفينتين في ميناء المكلا فجر الثلاثاء.
وفي واشنطن، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الوزير ماركو روبيو أجرى محادثات مع وزيري خارجية السعودية والإمارات حول التوترات في اليمن وقضايا أخرى تمس أمن الشرق الأوسط.
مصر
تعد أبوظبي الداعم المالي الأبرز للقاهرة منذ أن قاد الرئيس عبد الفتاح السيسي الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين عام 2013، إذ تنظر الإمارات إلى مصر علمانية باعتبارها حاجزًا أمام عودة الإسلام السياسي.
ووقّع صندوق الثروة السيادي الإماراتي ADQ صفقة عام 2024، بقيمة 35 مليار دولار لتطوير شريط استراتيجي من الساحل المصري على البحر المتوسط، في دفعة حيوية من النقد الأجنبي لاقتصاد يعاني شحّ السيولة.
ويشكّل العداء المشترك للإخوان المسلمين ركيزة التحالف السياسي بين البلدين، الذي شمل تنسيقًا في مقاطعة قطر عام 2017، ومعارضة النفوذ التركي في ليبيا، حيث يتمتع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بعلاقات وثيقة مع الجماعة.
السودان
وصف مراقبو العقوبات في الأمم المتحدة اتهاماتٍ «ذات مصداقية» بتقديم الإمارات دعمًا عسكريًا لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في حربها ضد الجيش السوداني.
ويقول محللون إن الإمارات لا تثق بقائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان بسبب وجود إسلاميين من نظام عمر البشير داخل صفوفه، وترى في حميدتي — وهو شريك سابق في اليمن — ثقلًا موازنًا.
وقد وجّهت إلى قوات الدعم السريع اتهامات، من بينها من الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعمليات قتل جماعي ذات دوافع عرقية في دارفور.
ونفت الإمارات بشدة تزويد هذه القوات بالسلاح، وأكدت في رسائل إلى الأمم المتحدة أن الاتهامات تفتقر إلى الأدلة، مشددة على أن دورها إنساني بحت.
تشاد
عزّزت الإمارات علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع الرئيس التشادي الانتقالي محمد إدريس ديبي، ووقّعت اتفاق تعاون عسكري عام 2023، وقدّمت مركبات مدرعة للدولة الواقعة في الساحل، التي تراها أبوظبي حاجزًا أمام الجماعات الإسلامية المسلحة.
وتوجّهت الأنظار إلى مطار أم جرس النائي قرب الحدود السودانية، حيث أفادت رويترز بارتفاع حركة رحلات الشحن.
وتقول الإمارات إنها تدير مستشفى ميدانيًا وتقدم مساعدات للاجئين السودانيين، فيما زعم مراقبو العقوبات ومسؤولون غربيون أن المطار يُستخدم مركزًا لوجستيًا لتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح، وهو ما تنفيه أبوظبي.
ليبيا
كانت الإمارات الداعم الخارجي الرئيسي للقائد العسكري في شرق ليبيا خليفة حفتر، وقدمت دعمًا جويًا ومعدات لما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي» خلال هجومه على طرابلس عام 2019، بحسب خبراء أمميين.
واستهدف التدخل إسقاط حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، والتي ضمّت فصائل مرتبطة بالإخوان المسلمين وكانت تحظى بدعم عسكري تركي.
ورغم وصول الحرب الأهلية إلى حالة جمود هش، ما تزال الإمارات لاعبًا محوريًا، تحافظ على علاقات وثيقة مع القوى الشرقية وعائلة حفتر، وتشارك في جهود دبلوماسية لتشكيل حكومة خالية مما تصفه بـ«الميليشيات المتطرفة»، رغم أن تحالف حفتر نفسه يضم فصائل سلفية متشددة.
أرض الصومال (صوماليلاند)
طوّرت الإمارات علاقات اقتصادية وأمنية عميقة مع أرض الصومال المعلنة من جانب واحد، إذ كثيرًا ما نظرت أبوظبي إلى الحكومة الفيدرالية في مقديشو على أنها قريبة من قطر وتركيا.
ويتمثل حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية في استثمار شركة موانئ دبي العالمية بقيمة 442 مليون دولار لتطوير وتشغيل ميناء بربرة، بوصفه بديلًا استراتيجيًا لجيبوتي على خليج عدن.
وصوّت برلمان أرض الصومال عام 2017، لصالح السماح للإمارات ببناء قاعدة عسكرية في بربرة، قبل أن يُعاد تصنيفها لاحقًا لأغراض مدنية، مع استمرار تدريب الإمارات لقوات الأمن المحلية وحفاظها على حضور دبلوماسي بمستوى قنصلي في هرجيسا.
وأصبحت إسرائيل الأسبوع الماضي، أول دولة تعترف رسميًا باستقلال أرض الصومال، في اختراق دبلوماسي قالت تقارير لموقع «أكسيوس»، نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين، إن أبوظبي لعبت دورًا في تسهيله.















