فاتورة التراجع عن نيوم تكلف السعودية مليارات الدولارات

كشفت منصة “سيمافور” أن السلطات السعودية تستعد لتحمل تكاليف مالية ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات نتيجة إلغاء وتقليص أجزاء من مشاريع “نيوم”، في مؤشر جديد على إعادة تقييم أحد أكبر المشاريع التي قدمتها المملكة باعتبارها محورًا رئيسيًا ضمن خطط التحول الاقتصادي.
وأفادت المنصة بأن تكلفة إلغاء بعض المشاريع داخل نيوم قد تتجاوز في السنوات المقبلة تكلفة تنفيذها، نتيجة الالتزامات التعاقدية طويلة الأجل والمدفوعات المطلوبة لإنهاء الاتفاقيات مع الشركات والمقاولين.
وبحسب أشخاص مطلعين على الملف، تتضمن ميزانية نيوم للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030 تخصيص نحو 60 مليار ريال سعودي، ما يعادل 16 مليار دولار، كمدفوعات محتملة للمقاولين مقابل إنهاء عقود ومشاريع طويلة الأمد.
وتكشف هذه الأرقام حجم التعقيدات المالية المرتبطة بإعادة هيكلة المشروع العملاق، إذ إن وقف بعض الأعمال لا يعني فقط وقف الإنفاق، بل يفرض على السعودية تحمل تكاليف إضافية مرتبطة ببنود الإلغاء والتعويضات.
وكانت التقديرات الأولية تشير إلى أن تكلفة إنشاء مدينة نيوم المستقبلية شمال غربي السعودية قد تتجاوز تريليون دولار، بعدما تم الإعلان عنها بوصفها واحدة من أكثر خطط التنمية طموحًا في العالم.
لكن بعد نحو عقد على إعلان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المشروع، بدأت المملكة في مراجعة حجم الطموحات المعلنة سابقًا، وسط تحديات مالية واقتصادية وضغوط مرتبطة بتمويل عدد كبير من المشاريع الكبرى في وقت واحد.
وتأتي عملية إعادة التقييم بعد سنوات من تسجيل عجز في الميزانية وعدم وصول الاستثمارات الأجنبية إلى المستويات التي كانت تستهدفها الرياض ضمن خططها لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على عائدات النفط.
وتواجه السعودية تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين مواصلة تمويل المشاريع الضخمة المرتبطة برؤية 2030 وبين المحافظة على الاستقرار المالي، خاصة مع ارتفاع حجم الالتزامات الحكومية.
وتزامن تقليص بعض طموحات نيوم مع تحول أولويات الإنفاق نحو قطاعات أخرى تعتبرها الرياض أكثر إلحاحًا خلال المرحلة المقبلة.
وتعمل المملكة على زيادة الإنفاق في قطاع الدفاع، الذي اكتسب أهمية متزايدة في ظل التوترات الإقليمية، خصوصًا مع إيران، إلى جانب توسيع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والبنية التحتية.
كما تحتاج السعودية إلى تمويل مشاريع مرتبطة باستضافة معرض “إكسبو 2030” وبطولة كأس العالم لكرة القدم 2034، وهما حدثان يتطلبان إنفاقًا واسعًا على النقل والمرافق والمنشآت.
وتعد مدينة “ذا لاين” من أبرز المشاريع المتأثرة بعملية إعادة التقييم، وهي المدينة التي قُدمت سابقًا على أنها نموذج عمراني غير مسبوق يقوم على بناء ناطحتي سحاب متوازيتين تمتدان من ساحل البحر الأحمر إلى داخل الصحراء.
وتشير التقديرات إلى أن التكاليف المتوقعة لإلغاء بعض أعمال البناء المرتبطة بمشاريع مثل “ذا لاين” تعادل أكثر من ثلث العجز المتوقع في ميزانية الحكومة السعودية لعام 2026.
ويؤكد ذلك أن تقليص المشروع لن يكون خطوة منخفضة التكلفة، بل قد يشكل عبئًا ماليًا إضافيًا نتيجة حجم العقود التي تم توقيعها خلال سنوات التوسع الأولى.
وقال أشخاص مطلعون إن قيمة المدفوعات النهائية المرتبطة بإلغاء العقود قد تتغير خلال الفترة المقبلة، وفق نتائج المفاوضات الجارية مع الشركات والمقاولين.
ويعكس ملف نيوم التحول من مرحلة إطلاق الوعود الضخمة إلى مرحلة مراجعة الجدوى الاقتصادية وإدارة التكاليف، في ظل ضغوط مالية متزايدة وحاجة الحكومة إلى ترتيب أولويات الإنفاق.
وتكشف التطورات الأخيرة أن المشروع الذي رُوج له باعتباره رمزًا للتحول الاقتصادي السعودي يواجه اختبارًا ماليًا صعبًا، مع انتقال التركيز من سرعة التنفيذ إلى احتواء التكلفة وإعادة ضبط الأهداف.















