ميدل إيست آي: لماذا تتورط الإمارات في الحرب الأهلية الدامية في السودان؟

حذّر موقع ميدل إيست آي البريطاني من أن الإمارات العربية المتحدة أصبحت طرفًا فاعلًا في واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الأفريقية، وهي الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ عام 2023، مشيرًا إلى وجود أدلة متزايدة على دعم أبوظبي العسكري والمالي لتلك القوات التي ارتُكبت على يدها مجازر واسعة في إقليم دارفور.

وأوضح الموقع أن المخاوف تتصاعد من وقوع إبادة جماعية على مستوى رواندا، بعد أن سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في غرب السودان، الأسبوع الماضي.

وأشار إلى أن مقاطع الفيديو التي جرى توثيقها تُظهر عناصر من قوات الدعم السريع وهم ينفذون عمليات إعدام ميدانية وجماعية بحق المدنيين، بينما كشفت صور الأقمار الصناعية عن بقع دم واسعة في المدينة، في مشهد وصفه الباحث ناثانيال ريموند، من مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، بأنه «إبادة جماعية بكل المقاييس».

وبيّن الموقع أن هذه المذبحة تُعدّ الأحدث في سلسلة الفظائع التي شهدتها الحرب الأهلية السودانية بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهي الحرب التي شردت أكثر من 13 مليون شخص منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023.

وأضاف التقرير أن الطرفين متهمان بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، غير أن الاتهامات الأكثر خطورة وُجهت إلى قوات الدعم السريع التي تلقت – بحسب الموقع – دعمًا وتسليحًا من الإمارات العربية المتحدة، وهو ما دفع الحكومة السودانية إلى رفع دعوى ضد أبوظبي أمام محكمة العدل الدولية في أبريل 2025 بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية.

وأشار ميدل إيست آي إلى أن السودان، الذي نال استقلاله عام 1956، عاش ثلاثة عقود تحت حكم الرئيس المخلوع عمر البشير الذي أطاح بالحكومة المنتخبة عام 1989. وخلال فترة حكمه، ارتُكبت فظائع واسعة في دارفور بين عامي 2003 و2005، اتهمت المحكمة الجنائية الدولية البشير بسببها بارتكاب جرائم إبادة جماعية.

وبعد الإطاحة بالبشير عام 2019 في أعقاب انتفاضة شعبية، بدت البلاد متجهة نحو انتقال ديمقراطي، غير أن هذه الآمال تبددت مع انقلاب البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، عندما استولى الجيش على السلطة وعيّن حميدتي نائبًا له، لتبدأ مرحلة جديدة من الحكم العسكري وتوثيق العلاقات مع دول الخليج.

جذور الحرب الحالية

وقال الموقع إن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 لم يكن لها شرارة واضحة، لكن الخلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش كانت السبب الرئيس في تفجّرها.
فقد هاجمت قوات حميدتي مقر إقامة البرهان في الخرطوم، لتندلع بعدها حرب شاملة أجبرت الحكومة على الانتقال إلى بورتسودان.

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة التي نقلها ميدل إيست آي، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، بينما يعاني 25 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
وأشار الموقع إلى أن مدينة الفاشر، التي حوصرت لأكثر من 500 يوم قبل سقوطها مؤخرًا، كانت آخر معاقل الجيش في غرب البلاد، وأن المجاعة أُعلنت رسميًا في مخيمات النازحين المحيطة بها في أغسطس/آب 2025.

أوضح التقرير أن قوات الدعم السريع انبثقت من ميليشيا الجنجويد التي أسسها نظام البشير مطلع الألفية لقمع التمرد في دارفور، واتُهمت بارتكاب جرائم حرب وعمليات قتل واغتصاب ضد المدنيين.

وفي عام 2013، أُعيد تنظيمها رسميًا تحت قيادة حميدتي الذي تحول لاحقًا إلى أحد كبار رجال الأعمال في السودان بثروة تقدر بنحو 7 مليارات دولار، وله مصالح تجارية واسعة في الإمارات خاصة في تجارة الذهب.

وأشار الموقع إلى أن حميدتي وشبكته المالية المرتبطة بتجارة الذهب تمثل أحد أذرع النفوذ الإماراتي في السودان، وأن قواته تسيطر على مناطق إنتاج الذهب في دارفور منذ عام 2017.
كما اتُّهمت قوات الدعم السريع، وفقًا لتقارير نقلها الموقع، بارتكاب أعمال إبادة ضد قبائل المساليت عام 2023 في مدينة الجنينة.

وفي أبريل 2024، نقل الموقع عن مركز راؤول والينبرغ أن هناك «أدلة واضحة ومقنعة» على ارتكاب قوات الدعم السريع وميليشياتها جرائم إبادة جماعية ضد المساليت، وهي النتائج التي صادقت عليها الحكومة الأمريكية.

الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع

قال ميدل إيست آي إن الإمارات تُعدّ أبرز الداعمين الخارجيين لقوات الدعم السريع، رغم نفيها المستمر لذلك.
وأشار إلى أن تقارير عدة، من بينها وثائق أممية مسربة، أكدت أن أبوظبي تزوّد قوات حميدتي بالسلاح والذخيرة عبر شبكة إمداد معقدة تمتد عبر ليبيا وتشاد وأوغندا والمناطق الصومالية المنفصلة.

كما كشف الموقع عن العثور على جوازات سفر إماراتية في حطام طائرة مرتبطة بقوات الدعم السريع في يوليو 2024، في حين أكدت منظمة العفو الدولية في تقرير صدر في مايو 2025 أن الإمارات أرسلت أسلحة صينية متطورة إلى دارفور، من بينها قنابل موجهة ومدافع هاوتزر من إنتاج شركة «نورينكو» المملوكة للدولة الصينية.

ونقل الموقع عن صحيفة وول ستريت جورنال أن وكالات الاستخبارات الأمريكية رصدت في أكتوبر 2025 زيادة في إمدادات الإمارات من الطائرات المسيرة وأنظمة الأسلحة الحديثة لقوات الدعم السريع.

وأضاف أن للإمارات قاعدتين في السودان، الأولى في نيالا جنوب دارفور، والثانية في المالحة على بُعد 200 كيلومتر من الفاشر، تستخدمهما لأغراض الإمداد والاستخبارات. كما تمتلك قاعدة أخرى في بوساسو بالصومال تُستخدم لنقل المرتزقة والمعدات العسكرية.

وبيّن ميدل إيست آي أن دوافع التدخل الإماراتي في السودان متعددة، أبرزها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
فالإمارات استثمرت مليارات الدولارات في السودان منذ سقوط البشير، خاصة في قطاعات الزراعة والتعدين والموانئ، إذ تُعد البلاد غنية بالموارد الطبيعية وعلى رأسها الذهب.

وأوضح الموقع أن الإمارات أصبحت مركزًا عالميًا لتجارة الذهب، وتسعى من خلال علاقاتها مع حميدتي وشبكته التجارية إلى تأمين تدفق هذه الموارد.
كما تمتلك شركات إماراتية مثل الشركة القابضة الدولية (IHC) ومجموعة جنان للاستثمار أكثر من 50 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في السودان، ضمن خططها لضمان الأمن الغذائي الخليجي.

وأشار التقرير كذلك إلى أن أبوظبي تحاول بسط نفوذها على الموانئ السودانية على البحر الأحمر، موضحًا أنها عرضت استثمار 8 مليارات دولار في مشروع ميناء «أبو عمامة» عام 2024، لكنه تعثر مع تصاعد الحرب.

ولفت الموقع إلى أن الإمارات تنظر بعين الريبة إلى الجيش السوداني بسبب ارتباطه التاريخي بالإسلام السياسي منذ عهد البشير، وهو ما يفسر – بحسب التقرير – عداءها الأيديولوجي تجاه المؤسسة العسكرية في الخرطوم.

أشار ميدل إيست آي إلى أن المجتمع الدولي كان بطيئًا في التعامل مع الاتهامات الموجهة ضد الإمارات، رغم إعلان الجيش السوداني رسميًا في نوفمبر 2023 أن أبوظبي تزوّد قوات الدعم السريع بالسلاح.

وفي مايو 2025، رفضت محكمة العدل الدولية دعوى السودان ضد الإمارات، معتبرة أنها غير مختصة، لأن الإمارات استثنت منذ عام 2005 القضايا المتعلقة بالإبادة الجماعية من اختصاص المحكمة عند توقيعها على الاتفاقية الدولية.

وأضاف الموقع أن الإمارات مارست ضغوطًا دبلوماسية على حلفائها، حيث ألغت اجتماعات مع وزراء بريطانيين في أبريل 2024 بعد امتناع لندن عن الدفاع عنها في مجلس الأمن. كما كشفت صحيفة الغارديان أن الحكومة البريطانية أجرت لاحقًا محادثات سرية مع ممثلين عن قوات الدعم السريع، رغم علمها باستخدام الأخيرة لمعدات عسكرية بريطانية الصنع.

وفي أبريل 2025، انعقد مؤتمر دولي في لندن لمناقشة الأزمة السودانية، غير أن الحكومة السودانية لم تُدعَ إليه، ما أثار غضب الخرطوم، خصوصًا أن المؤتمر تزامن مع هجوم قوات الدعم السريع على الفاشر وإعلانها تشكيل حكومة موازية.
ووصف الموقع المؤتمر بأنه «فشل دبلوماسي»، إذ لم يتمخض عن تشكيل مجموعة اتصال لوقف إطلاق النار بسبب الخلافات بين مصر والسعودية والإمارات.

وفي سبتمبر 2025، أشار الموقع إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن خطة سلام بمشاركة مصر والسعودية والإمارات، تقضي بوقف إنساني لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر تمهيدًا لتسوية سياسية، إلا أن الخطة لم تُنفذ على الأرض.

كما نقل الموقع أن إسرائيل انضمت إلى الإمارات في انتقاد الجيش السوداني، إذ نشر الحساب الرسمي للحكومة الإسرائيلية على منصة «إكس» باللغة العربية منشورًا يشبّه الجيش السوداني بـ«الإخوان المسلمين وحماس»، وذلك بعد أيام من مذبحة الفاشر.

وخلص ميدل إيست آي إلى أن الإمارات، من خلال دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع، تسعى إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي عبر البحر الأحمر وشرق أفريقيا، وتأمين مصالحها في مجالات الذهب والزراعة والموانئ.
لكن هذه السياسة – كما يقول الموقع – جعلت أبوظبي متهمة بالتورط في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، في وقت يواجه فيه المجتمع الدولي انتقادات حادة بسبب صمته وتقاعسه عن وقف المأساة السودانية المتصاعدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى