نيويورك تايمز: السعودية “المنبوذة سابقًا” تُغري عمالقة الشركات الأميركية بالصفقات

في تحول لافت يعكس تغيّر موقع السعودية في الاقتصاد العالمي، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا يكشف كيف انتقلت المملكة — التي كانت تُعامل قبل سنوات قليلة كدولة “منبوذة” في الدوائر السياسية والإعلامية الأميركية بعد اغتيال جمال خاشقجي — إلى مركز جذب ضخم لكبار التنفيذيين والشركات العملاقة في وادي السيليكون وول ستريت.

وقالت الصحيفة إن الحدث الذي جرى هذا الأسبوع في العاصمة الأميركية يوضح بجلاء حجم هذا التحوّل؛ إذ تدفق قادة التكنولوجيا والاستثمار لحضور “منتدى الاستثمار الأميركي–السعودي”، وسط حفاوة رسمية نادرة وتغطية إعلامية واسعة.

وأشارت إلى أنه لسنوات اعتاد التنفيذيون الأميركيون زيارة الرياض في مهمات عمل مقتضبة وسرّية، بعيدًا عن عدسات الإعلام، خشية الارتباط العلني بحكومة تواجه اتهامات متصاعدة في ملف حقوق الإنسان، خاصة بعد جريمة قتل خاشقجي عام 2018.

لكن المشهد تغيّر. ففي مركز كينيدي بواشنطن، المزين بالسجاد الأحمر، اصطف عشرات كبار المسؤولين التنفيذيين في الولايات المتحدة للاحتفاء بـ”كل ما هو سعودي”، وكأن صفحة الماضي قد طُويت تمامًا.

وقد كان بين الحضور أسماء ثقيلة الوزن: مارك بينيوف (Salesforce)، جنسن هوانغ (Nvidia)، دينا باول (BDT & MSD Partners)، وأليكس كارب (Palantir).

وحتى أولئك الذين لم يجدوا مقعدًا داخل القاعة تابعوا الحدث عبر شاشات في الردهة، ما يعكس الطلب المتزايد على المشاركة في المنصة الاستثمارية السعودية.

التكنولوجيا مقابل الطاقة

بحسب نيويورك تايمز فإن الرسالة الأساسية التي خرج بها المشاركون هي أن السعودية تتحرك بسرعة لالتقاط فرص التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بينما توفر للشركات الأميركية ما لا توفره أسواق أخرى: رأس مال ضخم، وسرعة في اتخاذ القرار، وبنية تحتية قيد البناء بوتيرة هائلة.

قال جون كيلي، المدير التقني لشركة Global AI: “نستطيع عقد صفقات هنا. نستطيع تطوير شراكات خلال يومين فقط — عشاء، إفطار، اجتماعات جانبية. السعودية تحتاج التكنولوجيا، ونحن نحتاج الطاقة وتوسيع أسواقنا.”

وذكرت الصحيفة ان هذا التلاقي في المصالح جعل من شركات مثل Nvidia — التي تعد رقائقها أساس تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي — لاعبًا تفاوضيًا دوليًا يبحث الجميع عن التقرب إليه.

وأحد أبرز الإعلانات جاء على لسان إيلون ماسك، الذي ظهر على المسرح إلى جانب هوانغ ليعلن أن شركته xAI ستتعاون مع Nvidia وشركة Humain السعودية لإنشاء مركز بيانات ضخم داخل المملكة يستهلك ما يصل إلى 500 ميغاوات من الكهرباء.

أرقام ضخمة… لكن غير مضمونة التنفيذ

أعلنت وزارة الاستثمار السعودية في بيان أن المنتدى أسفر عن التزامات واتفاقيات تفوق 575 مليار دولار. ورغم أن هذه الأرقام لا تعني تنفيذ المشاريع بالكامل، فإنها تشير إلى حجم الطموح السعودي في استقطاب الصناعات الرقمية العالمية.

ومن بين الصفقات البارزة شراكة بين Blackstone وشركة Humain لتطوير مركز بيانات جديد واتفاقات إضافية وقعتها Humain مع Global AI وAMD وCisco.

وبحسب الصحيفة تؤكد هذه التحركات رغبة السعودية في التحول إلى مركز إقليمي ودولي لتكنولوجيا البيانات والذكاء الاصطناعي، مع استمرار الإنفاق الضخم الممول من صندوق الاستثمارات العامة.

ترامب: لا مشكلة في خاشقجي… والصفقات مستمرة

لم يكن التقارب السعودي–الأميركي ليصل إلى هذا المستوى دون الغطاء السياسي الذي وفره الرئيس دونالد ترامب، والذي ظهر في المنتدى إلى جانب ولي العهد محمد بن سلمان.

وكرر ترامب خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض قبل الحدث بيوم واحد أنه “لا يرى مشكلة في مقتل خاشقجي”، بل وبّخ صحفيًا سأله عن الموضوع، رغم تأكيد الاستخبارات الأميركية أن العملية تمت بأوامر من ولي العهد نفسه.

وهذا الموقف السياسي خلق مظلة مفتوحة أمام المستثمرين الأميركيين، وأزال الحرج الذي كان يرافق التعامل العلني مع السعودية منذ 2018.

بموازاة ذلك لم يقتصر الحضور على رجال الأعمال التقليديين؛ فقد شارك في عشاء البيت الأبيض الرسمي شخصيات مثل تيم كوك (Apple)، ولاعب كرة القدم كريستيانو رونالدو، وديفيد إليسون (Paramount Global).

ويعمل إليسون حاليًا على صفقة ضخمة للاستحواذ على Warner Bros. Discovery، وهي صفقة تمولها عائلة إليسون، لكن محللين يؤكدون أن السعودية قد تدخل شريكًا فيها لاحقًا عبر صندوق الاستثمارات العامة.

وقد انتشرت صورة من العشاء يظهر فيها إليسون إلى جانب مارك بينيوف ومايكل ديل، حيث نشر بينيوف الصورة على منصاته قائلاً: “رجال برمجيات المؤسسات في البيت الأبيض.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى