الولايات المتحدة: من صانع للقرار إلى متفرج عاجز في الشرق الأوسط

في افتتاحية بعنوان “الولايات المتحدة.. المتفرج في الشرق الأوسط”، تناولت صحيفة “لوموند” الفرنسية تحليلًا للوضع المتفاقم في منطقة الشرق الأوسط.
مشيرة إلى أن الأحداث الجارية، خاصة الضربات الإسرائيلية المتكررة على غزة، تؤكد انحسار الدور الأمريكي المؤثر في هذه المنطقة الحساسة، الأمر الذي يثير مخاوف من اندلاع صراع إقليمي أوسع.
التركيز الدولي بين غزة ولبنان
الصحيفة أبرزت أن العدد الكبير من القتلى الفلسطينيين في غزة، حيث تستمر الغارات الإسرائيلية العنيفة، قد غُطّي عليه بفعل تحول الأنظار الدولية نحو لبنان.
جاء ذلك بعد الرد المتوقع الذي وعدت به إسرائيل نتيجة الهجمات الصاروخية الإيرانية ضدها، مما أثار القلق من اندلاع نزاع إقليمي موسع.
هذا التحول في التركيز يكشف عن حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي تسود المنطقة.
الدور الأمريكي المتراجع
في السياق ذاته، ركزت “لوموند” على موقف الولايات المتحدة المتخاذل، واصفة إياها بـ”المتفرج العاجز”.
رغم كونها الحليف الأقرب لإسرائيل والمزود الرئيسي لها بالأسلحة، فإن واشنطن تبدو اليوم غير قادرة على فرض خطوط حمراء واضحة كما كانت تفعل في الماضي.
اعتبرت الصحيفة أن هذا التراجع يعود جزئيًا إلى المناخ السياسي الأمريكي الداخلي، حيث أصبح الرئيس جو بايدن، بعد انسحابه من سباق الانتخابات الرئاسية، في موقف ضعيف باعتباره رئيسًا “بطة عرجاء”.
هذا الوضع يعزز الشكوك حول قدرة الولايات المتحدة على ممارسة أي تأثير فعال في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب.
إخفاقات الدبلوماسية الأمريكية
وأشارت الصحيفة إلى إخفاق وزير الخارجية الأمريكي، توني بلينكن، في تحقيق أي نتائج ملموسة على صعيد محاولاته المتكررة للوساطة في المنطقة.
ورغم زياراته العديدة، لم يتمكن من التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة أو تحرير الرهائن الإسرائيليين، مما أضاف إلى شعور الإذلال الأمريكي في هذا السياق.
تجاهل الخطوط الحمراء
وأضافت “لوموند” أن نتنياهو تجاهل الخطوط الحمراء التي وضعتها الإدارة الأمريكية مرارًا وتكرارًا، واستمر في نهجه التصعيدي دون أدنى اعتبار للتحذيرات.
ففي يوليو، تم استقباله بحفاوة في البيت الأبيض، وكأن شيئًا لم يحدث، مما يعكس مدى تراجع الموقف الأمريكي.
كما أشارت إلى رفض نتنياهو القاطع لوقف إطلاق النار في لبنان الذي اقترحته فرنسا في نهاية سبتمبر.
غياب التأثير الأمريكي
واختتمت “لوموند” افتتاحيتها بالإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية، التي تبدو غير قادرة على التأثير في مجريات الأحداث، تواصل اتباع خطوات إسرائيل في الرد على الهجمات الصاروخية الإيرانية.
وبسبب غياب التعددية الفاعلة، يفتقر العالم اليوم إلى الإرادة الأمريكية المؤثرة في صنع القرارات الحاسمة في الشرق الأوسط.
وتعتبر الصحيفة أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية في المنطقة خلال العقود الأخيرة ينبغي أن يدفع الولايات المتحدة لإعادة تقييم سياستها الخارجية بحذر أكبر.
إضافة وتوسيع
من الواضح أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط شهدت تحولًا جذريًا خلال العقدين الماضيين.
فقد لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في تشكيل المشهد السياسي والأمني في المنطقة، من خلال التدخل العسكري والدبلوماسي.
ولكن مع تعاظم التحديات الداخلية، وتزايد الاستقطاب السياسي في واشنطن، يبدو أن نفوذها في المنطقة أخذ في التآكل بشكل متسارع.
يعد هذا التحول انعكاسًا لتغيرات أعمق في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث بدأت الولايات المتحدة في تقليص حضورها العسكري والدبلوماسي في الشرق الأوسط منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما.
سياسة “التحول نحو آسيا” التي ركزت على مواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ أدت إلى إهمال الكثير من القضايا الملحة في الشرق الأوسط.
وبينما تواجه الولايات المتحدة تحديات جديدة مثل التغير المناخي والاقتصاد العالمي المتقلب، يبدو أن إعادة النظر في دورها التقليدي في المنطقة بات ضرورة ملحة.
فتأثير القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا، وتنامي الدور الروسي والصيني في الشرق الأوسط، جعل من الصعب على واشنطن الاحتفاظ بمكانتها كوسيط مؤثر في النزاعات الإقليمية.
ختامًا، يجدر بالولايات المتحدة أن تعيد التفكير في استراتيجيتها تجاه المنطقة، خاصة في ظل الصعود المستمر للحركات المسلحة غير الحكومية، واستمرار النزاعات الطائفية والعرقية.
فالاعتماد المفرط على الحلول العسكرية، دون دعم دبلوماسي فعال، أثبت فشله في تحقيق الاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط.















