اتفاق سلام تاريخي بين أرمينيا وأذربيجان برعاية أمريكية

في خطوة وُصفت بـ”التاريخية”، وقّعت أرمينيا وأذربيجان، يوم الجمعة 8 أغسطس 2025، اتفاقاً لإنهاء حالة الحرب المستمرة بينهما منذ عقود، وذلك برعاية مباشرة من الإدارة الأمريكية.

حفل التوقيع الذي استضافه البيت الأبيض جمع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، وإلى جانبهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ فخره بما اعتبره “إنجازاً دبلوماسياً شخصياً”، مشيداً بدور وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وفريق التفاوض في إتمام الاتفاق.

ترامب لم يكتفِ بالحديث عن “السلام”، بل أعلن أيضاً أن شركات أمريكية ستضخ استثمارات ضخمة في كل من أرمينيا وأذربيجان، مؤكداً أن ذلك سينعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية في البلدين.

غير أن ما لفت الأنظار هو الكشف عن بند يمنح الولايات المتحدة “حقوق تطوير حصرية” لممر عبور إستراتيجي عبر جنوب القوقاز، أطلق عليه اسم “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين”، في إشارة واضحة إلى ممر “زنغزور” المتنازع عليه، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية الخفية للاتفاق.

أوروبا: ترحيب ودعوة للتنفيذ السريع

الاتحاد الأوروبي رحّب بالاتفاق، واصفاً إياه بـ”اختراق مهم” في مسار إنهاء الصراع، ودعا في بيان رسمي للممثلة العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس إلى التنفيذ العاجل لبنوده، خاصة المصادقة الرسمية على معاهدة السلام.

البيان الأوروبي شدد على أن الاعتراف المتبادل بالسيادة وسلامة الأراضي يمثل قاعدة أساسية للتطبيع الكامل، وذكّر بالدور الذي لعبته بروكسل منذ عام 2021 في تهيئة بيئة المفاوضات، مؤكداً استعداد الاتحاد لمواصلة دعم العملية وتقديم خبرته الفنية، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين.

إيران: ترحيب مشوب بالحذر

إيران، التي تراقب عن كثب التطورات قرب حدودها الشمالية، أعلنت ترحيبها بالاتفاق لكنها أرسلت في الوقت نفسه تحذيرات مبطنة من “أي تدخل أجنبي” في المنطقة. بيان وزارة الخارجية الإيرانية، الذي نقلته وكالة “مهر”، أشار إلى أن طهران تبقى على تواصل مستمر مع الطرفين، وأنها تدعم فتح طرق المواصلات في إطار احترام السيادة الوطنية.

كما شددت على رغبتها في التعاون ضمن الأطر الثنائية والإقليمية، بما فيها آلية “3+3” التي تضم روسيا وتركيا وإيران وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا.

تركيا: دعم حليفها التقليدي

تركيا، الحليف الإستراتيجي لباكو، وصفت الاتفاق بأنه “فرصة تاريخية” لتحقيق السلام والاستقرار في جنوب القوقاز. الخارجية التركية أشادت بدور الولايات المتحدة في تسهيل المفاوضات، في موقف يُظهر انسجاماً بين أنقرة وواشنطن في هذه المرحلة، على الرغم من تناقضات مواقفهما في ملفات إقليمية أخرى.

حلّ مجموعة مينسك

من التطورات اللافتة الموازية للاتفاق، توقيع وزيري خارجية أرمينيا وأذربيجان بياناً مشتركاً يطالب بحل “مجموعة مينسك” التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي الآلية التي أُنشئت عام 1992 لحل نزاع قره باغ، وتشارك في رئاستها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا.

أذربيجان كانت تاريخياً متحفظة على دور هذه المجموعة، معتبرة أنها منحازة لأرمينيا بسبب الروابط السياسية والديموغرافية مع الدول الراعية لها، بينما كان يُنظر إلى روسيا كحليف تقليدي ليريفان. حل المجموعة يمثل إشارة إلى رغبة الطرفين في تجاوز الوساطات متعددة الأطراف لصالح ترتيبات مباشرة أو برعاية أطراف مختارة بعناية.

اتفاق سلام أم إعادة رسم للخريطة؟

بالرغم من الاحتفاء الدولي، يطرح الاتفاق أسئلة جوهرية حول مدى استدامته، خاصة في ظل إدخال بند يمنح الولايات المتحدة نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً مباشراً عبر ممر “زنغزور” الحساس.

هذا البند تحديداً قد يثير حفيظة قوى إقليمية مثل إيران وروسيا، التي ترى في جنوب القوقاز منطقة نفوذ تقليدي لها، كما أنه قد يُعيد إشعال توترات كامنة إذا شعرت أي من الأطراف بأنها تواجه عزلاً أو تهديداً لمصالحها الإستراتيجية.

المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان “طريق ترامب للسلام” سيكون فعلاً ممراً نحو الاستقرار، أم أنه سيفتح فصلاً جديداً من الصراع الإقليمي المغلف بواجهة اقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى