قطر وواشنطن تعيدان رسم شراكتهما الأمنية في مواجهة تهديد إسرائيلي غير مسبوق

أدخلت الضربة الإسرائيلية على الدوحة يوم 9 سبتمبر/أيلول الجاري العلاقات الإقليمية والدولية في مرحلة غير مسبوقة من التوتر مع دفع قطر وواشنطن إلى إعادة رسم شراكتهما الأمنية في مواجهة تهديد إسرائيلي غير مسبوق.

وقالت صحيفة The Hill الأمريكية إن الهجوم، الذي استهدف قيادات من حركة حماس داخل العاصمة القطرية، لم يُسقط ستة قتلى فقط، بل هزّ أركان المنظومة الأمنية الخليجية، وفتح الباب أمام مراجعة جذرية لشراكة قطر الأمنية مع الولايات المتحدة، في ظل تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتكرار الهجوم إذا لم تُبعد الدوحة مسؤولي الحركة عن أراضيها.

ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، نتنياهو في مقابلة مع The Hill بأنه “قائد غير متوازن ونرجسي”، مؤكّدًا أن بلاده لم تعد تعتبر إسرائيل تحديًا سياسيًا فحسب، بل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وأوضح الأنصاري، الذي يشغل أيضًا منصب مستشار رئيس الوزراء، أن الضربة الإسرائيلية استهدفت حيًا سكنيًا يضم مدارس وحضانات، وأنها تمّت عبر طائرات متطورة أفلتت من أنظمة الرادار القطرية التي تعدّ الأكثر حداثة في المنطقة.

مراجعة مع واشنطن

لم يتوقف الرد القطري عند حدود الإدانة. فبحسب الأنصاري، تجري الدوحة نقاشات رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة لإعادة تقييم شراكتها الأمنية، بما يضمن ردع أي عدوان إسرائيلي مستقبلي.

وقالت الصحيفة إن هذه المراجعة تعكس تحولًا نوعيًا: فلطالما اعتمدت قطر على قاعدة العديد الجوية، أكبر تمركز عسكري أميركي في المنطقة، كضمانة أمنية ضد التهديدات التقليدية (إيران مثلًا)، لكنها لم تتوقع أن يأتي التهديد من إسرائيل، حليف واشنطن الأوثق.

تصعيد إقليمي

شكلت الضربة على قطر تصعيدًا جديدًا في حرب إسرائيل المستمرة على قطاع غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023، والتي حصدت أرواح أكثر من 64 ألف فلسطيني وأدخلت المنطقة في دوامة نزاعات.

وقد هدد نتنياهو علنًا بمهاجمة أي دولة “تؤوي إرهابيين”، في إشارة واضحة إلى الدوحة، بينما أكدت قطر أنها لن ترضخ لابتزاز إسرائيلي ولن تطرد مسؤولي حماس.

وفي الوقت نفسه، بدأت قطر خطوات قانونية عبر الهيئات الدولية، ما قد يفتح ملفًا جديدًا لإدانة إسرائيل على الساحة القضائية العالمية.

الوسيط الموثوق تحت النار

الدوحة، التي تستضيف المكتب السياسي لحماس منذ 2012 بطلب أميركي-إسرائيلي لتسهيل التواصل غير المباشر، اكتسبت سمعة دولية كوسيط موثوق.

فقد كانت العاصمة الخليجية مقرًا لمفاوضات واشنطن مع طالبان، وساهمت في الإفراج عن رهائن أميركيين في الخارج. أما اليوم، فإن الضربة الإسرائيلية تهدد دورها كقناة تفاوضية محورية لوقف إطلاق النار وإطلاق الأسرى بين إسرائيل وحركة “حماس”.

وشدد الأنصاري على أن نتنياهو “قتل أي فرصة لاستمرار المحادثات”، لكنه أكد أن بلاده ستواصل جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

موقف واشنطن المنقسم

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يفاخر باتفاقيات أبراهام، الضربة الإسرائيلية قائلاً إنها لا تخدم المصالح الأميركية أو الإسرائيلية.

غير أن أصواتًا بارزة في الحزب الجمهوري، مثل ليندسي غراهام وروجر ويكر، دعمت نتنياهو، معتبرة أن إسرائيل تملك الحق في ضرب “الإرهابيين” أينما وجدوا.

وبحسب الصحيفة فإن هذا الانقسام في واشنطن يعكس تراجع الإجماع التقليدي على دعم إسرائيل بلا حدود، خصوصًا بعد صور الدمار المتكررة في غزة والآن في الدوحة.

أمن خليجي مهتز

جاء الهجوم على قطر في وقت حرج بالنسبة لمنظومة الخليج الأمنية. مصر جمدت تعاونها مع إسرائيل، السعودية رفضت أي اتفاق دبلوماسي من دون دولة فلسطينية، بينما تسعى الإمارات—شريك إسرائيل في التطبيع—إلى الحفاظ على التوازن وسط غضب داخلي متزايد.

بالنسبة لقطر، فإن استهداف عاصمتها جعل أمنها الداخلي مرهونًا بإعادة صياغة شراكة دفاعية أوثق مع واشنطن وربما مع حلفاء أوروبيين، وسط إدراك أن الغطاء الأميركي التقليدي لم يعد كافيًا لردع إسرائيل.

والضربة قد تهدد مستقبل اتفاقيات أبراهام التي أقامت العلاقات بين إسرائيل وعدة دول عربية.

واتهم الأنصاري نتنياهو بالسعي للهيمنة الإقليمية وتخريب فرص التكامل العربي. وقال إن هذه القضية ستكون محور اجتماع منظمة التعاون الإسلامي في الدوحة، حيث يبحث القادة العرب والإسلاميون ردًا جماعيًا على ما وصفه بـ “أعظم تهديد للسلام والأمن الدوليين: بنيامين نتنياهو”.

حسابات داخلية في قطر

في الداخل، تثير الهجمات الإسرائيلية قلقًا غير مسبوق. قطر، الدولة التي لطالما تفادت الانخراط العسكري المباشر، تجد نفسها الآن أمام تهديد استراتيجي يمس سيادتها.

ومع وجود عشرات الآلاف من القوات الأميركية في قاعدة العديد، يطرح السؤال نفسه: كيف سترد واشنطن إذا كررت إسرائيل هجومها؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة طمأنة شريكها القطري بينما تواصل حماية إسرائيل سياسيًا ودبلوماسيًا في الأمم المتحدة؟

وعليه فإن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة لم يكن مجرد حادث أمني، بل نقطة تحوّل في توازنات المنطقة. فقد دفع قطر إلى إعادة تقييم شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وأدخل التحالف الأميركي-الإسرائيلي-الخليجي في اختبار معقد.

ومع تهديدات نتنياهو المتكررة، يبدو أن الخليج يتجه إلى مرحلة جديدة من الاضطراب، حيث لم يعد أحد بمأمن من صواريخ إسرائيل، ولا أحد قادرًا على تجاهل كلفة هذا الانفلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى