الكشف عن حملات توقيف مسئولين كبار في مشاريع سعودية

كشفت وسائل إعلام دولية أن هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية (نزاهة) قد أوقفت عدة مسؤولين تنفيذيين رفيعي المستوى يعملون في مشاريع كبرى ضمن استراتيجية البلاد التنموية.
وأفادت صحيفة سمافور، بأن هذا التحرك يأتي في إطار حملة تجديدية تستهدف اختلاسات أو مخالفات يُعتقد أنها ارتُكبت ضمن مشاريع استراتيجية عملاقة تُعد جزءاً من رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الهادفة إلى تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط.
وتشير المصادر إلى أن الاعتقالات لم تقتصر على مشاريع فرعية بل طالت مسؤولين في مشاريع بارزة مثل مشروع دِرِيَّة، المرتبطة بتطوير منطقة تاريخية في الرياض. وفقاً لتقارير، فقد اعتُقِل على الأقل اثنان من كبار التنفيذيين في دِرِيَّة على صلة بالمشاريع العقارية الكبرى التي تديرها السلطة المختصة.
أما في مشروع العلا (AlUla)، فقد سبق أن تم توقيف عمر المَدّاني، الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية للعلا، بتهم تتعلق بـ “إساءة استخدام السلطة وغسيل أموال” في يناير 2024.
كما ترددت أنباء عن تورط بعض التنفيذيين في مشاريع نيوم وغيرها من مشاريع ضخمة تابعة للصندوق السيادي أو الهيئات التابعة له، مع قيام الصندوق نفسه بالاستعانة بمحققين خارجيين للكشف عن حالات “سوء استخدام أو تجاوزات مالية” في نيوم.
وحتى الآن، لم تُعلِن الهيئات الرسمية—لا “نزاهة” ولا الحكومة—بيانات تفصيلية عن أسماء المعتقلين أو التهم التي تُوجَّه إليهم، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى شفافية الإجراءات القضائية المعمول بها.
سياق أوسع لحملة مكافحة الفساد
تأتي هذه الاعتقالات في سياق حملة أوسع يُشيد بأنها تسعى لتعزيز النزاهة في إدارة المال العام، لكنها تُثير في الوقت ذاته مخاوف من أن تبقى أدوات ضغط سياسيّة مموهة تحت غطاء القانون.
وحسب تقرير نشر مؤخرا، قامت “نزاهة” في سبتمبر 2025 بـ 2672 جولة تفتيشية وشرعت في 387 تحقيقاً، وأصدرت أوامر توقيف بحق 134 شخصًا من موظفين في وزارات مختلفة، بتهم تشمل الرشوة وسوء استخدام السلطة. بعض هؤلاء أُفرج عنهم بكفالات.
ويرى مراقبون أن مثل هذه العمليات، خصوصاً حين تقترب من كبار التنفيذيين في مشاريع يُنظر إليها على أنها ركيزة في برنامج التنويع الاقتصادي، ترجّح أن الهدف ليس فقط مكافحة الفساد بمفهومه التقليدي، ولكن أيضاً تعزيز المصداقية أمام المستثمرين العالميين بأن السعودية جادة في إصلاحات الحوكمة والشفافية.
ومع ذلك، تبرز تساؤلات حول:
العادلة؟ وهل يتاح للمتهمين محاكمة أمام قضاء مستقل؟
الشفافية في الإجراءات: غياب الإفصاح عن أسماء المتهمين وتفاصيل الاتهامات يثير شكوكا حول استهداف سياسي أو رسائل رمزية.
العلاقة بين السلطة والاقتصاد: استخدام ملف الفساد كأداة لإعادة ضبط علاقات القوى الاقتصادية وربما ترسيخ هيمنة جديدة على المشروعات الكبرى.
التوازن بين الإصلاح والخشية من التأويل
من منظور استراتيجي، يبدو أن المملكة تحاول توجيه رسالة مزدوجة:
إلى الداخل: بأن لا مكان للفساد، وأن الجميع، بغض النظر عن مركزه، عرضة للمساءلة.
إلى الخارج: بأن بيئة الاستثمار فيها أكثر موثوقية، وأن الحوكمة جزء من التعاقد الدولي.
لكن هذه الرسالة تكتنفها مخاطر إذا لم تُرفق بإجراءات مؤسسية مستدامة لتعزيز استقلال القضاء، وضمان الحقوق الأساسية في الإجراءات القانونية، وكبح سلطة الأجهزة التنفيذية في قراراتها.
وتوقيف كبار التنفيذيين في مشاريع استراتيجية، إن تأكد صحته وتبُع بإجراءات علنية ونزيهة، قد يشكّل منعطفاً في سجل مكافحة الفساد بالمملكة. لكنه إذا رافقه غياب المسائلة الحقيقية أو اعتماد الحملة كأداة مركزة للقوة، فإنه قد يعزز الشكوك حول طبيعة الإصلاحات التي تُروج لها الإدارة السعودية.















