من هي تسابيح مبارك التي فجرت أكبر أزمة إعلامية بين السودان وسكاي نيوز

تفجّرت خلال الأيام الماضية أزمة إعلامية وسياسية هي الأضخم منذ اندلاع الحرب في السودان، بعدما أعلنت وزارة الثقافة والإعلام السودانية منع قناة سكاي نيوز عربية – المملوكة للإمارات – من العمل داخل أراضيها نهائيًا، متهمة إياها بارتكاب انتهاكات جسيمة للقوانين، ودخول مناطق النزاع دون أي إذن رسمي.

وجاء القرار بعد زيارة مثيرة للجدل قامت بها مذيعة القناة تسابيح مبارك إلى مدينتي نيالا والفاشر في إقليم دارفور، وهي زيارة تقول الخرطوم إنها تمت بتسهيل مباشر من قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً، بهدف “تجميل صورتها” أمام الرأي العام المحلي والدولي.

تسابيح مبارك، الإعلامية السودانية التي وُلدت في الخرطوم عام 1988 قبل أن تنتقل إلى ليبيا وتكمل دراستها في الإعلام، بدأت مسيرتها في قناة النيل الأزرق قبل أن تشق طريقها إلى القنوات العربية الكبرى، وصولًا إلى سكاي نيوز عربية التي تعمل ضمن مؤسسة إعلامية تُعد إحدى أبرز الأذرع الإماراتية في المنطقة.

لكن اسمها لم يبرز في سياق مهني هذه المرة، بل في سياق سياسي وقانوني معقّد، بعدما ظهرت في مقاطع مصوّرة داخل مناطق يسيطر عليها الدعم السريع دون أن تمتلك هي أو القناة أي تصاريح عمل داخل السودان، وهو ما وصفته الحكومة بأنه “انتهاك خطير يمس السيادة الوطنية”.

وتسببت الصور التي نشرتها مبارك، خاصة تلك التي ظهرت فيها إلى جانب ضابطة في قوات الدعم السريع تُعرف باسم “شيراز خالد”، في موجة غضب واسعة داخل السودان، خصوصًا أن هذه الضابطة ظهرت قبل أسابيع في فيديو شهير تحرّض فيه على الاغتصاب الجماعي ضد نساء الولاية الشمالية.

ظهور مبارك مبتسمة وهي تلتقط “سيلفي” مع المتهمة أثار اتهامات مباشرة لها وللقناة بالمشاركة في “تلميع” ميليشيا متهمة دوليًا بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور، وبالحصول على تمويل وتسليح من الإمارات وفق تقارير أمريكية وصحف دولية.

مذيعة قناة سكاي نيوز تسابيح مبارك تلتقط صورة مع شيراز خالد الضابطة في قوات الدعم السريع في الفاشر

وتصاعد الغضب بعد أن اعتبر مسؤولون سودانيون أن دخول مراسلة لسكاي نيوز إلى الفاشر، المدينة التي حاصرتها قوات الدعم السريع لأكثر من 500 يوم قبل السيطرة عليها، لم يكن ممكنًا دون تنسيق مباشر مع قوات حميدتي.

وقال عمار محمود، ممثل السودان لدى الأمم المتحدة، إن القناة “تتستر على جرائم الدعم السريع بينما تذبح الميليشيا المدنيين”، مضيفًا أن ما حدث يجب أن يكون ضمن ملفات المحكمة الجنائية الدولية.

وفي سياق متصل، أصدرت النيابة العامة السودانية إعلانًا بالنشر في إطار الدعوى الجنائية رقم (4968/2025) موجّهًا إلى تسابيح مبارك وسبعة آخرين، بتهم تتعلق بالقانون الجنائي، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون الجرائم المعلوماتية.

وتشير الوثائق إلى أن المتهمين “تواروا عن الأنظار” بعد صدور أوامر قبض بحقهم. الاتهامات الموجهة لمبارك تشمل دخول مناطق عسكرية دون إذن، ونشر محتوى يُعتبر دعمًا لميليشيا مسلحة، والتعاون مع قوة مصنّفة بأنها تهدد الأمن القومي.

ويرى مراقبون سودانيون أن الأزمة تتجاوز مجرد “تجاوز إداري” في التصاريح، وتمسّ في جوهرها الصراع الإقليمي الدائر داخل السودان، حيث تتهم الخرطوم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والتمويل، بينما تعمل منصات إعلامية تابعة لأبوظبي – وفي مقدمتها سكاي نيوز – على نقل روايات تتماشى مع مصالحها.

وتزداد حساسية هذه الاتهامات في ظل التقارير الدولية التي تحدثت عن قواعد إماراتية تعمل داخل السودان، وعن خطوط إمداد تمتد من الصومال وليبيا وتشاد لنقل الأسلحة إلى قوات حميدتي.

وتجد تسابيح مبارك نفسها اليوم في قلب هذه العاصفة، ليس فقط كإعلامية دخلت منطقة نزاع دون إذن، بل كشخصية أصبحت جزءًا من معركة سياسية وإعلامية أوسع، تدور بين الخرطوم وأبوظبي على خلفية الحرب.

وبينما تلتزم سكاي نيوز الصمت، تؤكد الحكومة السودانية أنها ماضية في خطواتها “حتى النهاية”، وأن أي جهة تشارك في “تبييض جرائم الدعم السريع” ستواجه المحاسبة القانونية.

وبينما يترقّب الشارع السوداني المآلات المقبلة للقضية، يبقى السؤال: هل كانت زيارة تسابيح مجرد نشاط إعلامي فردي؟ أم حلقة ضمن شبكة دعم سياسي وإعلامي تعمل على تحسين صورة قوات الدعم السريع في ذروة اتهامها بارتكاب جرائم لم يشهد لها السودان مثيلاً منذ سنوات دارفور الأولى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى