الغارديان البريطانية: هل بدأت الإمارات التراجع عن دعمها لميليشيا “الدعم السريع” ؟

بعد تزايد الانتقادات الدولية لدورها في الحرب السودانية، بدأت الإمارات العربية المتحدة تُبدي لأول مرة مؤشرات على مراجعة سياستها تجاه السودان، في ظل الاتهامات المتصاعدة لها بدعم ميليشيا قوات الدعم السريع، التي ارتكبت مجازر مروّعة في مدينة الفاشر عقب سيطرتها عليها أواخر الشهر الماضي.

خلال منتدى أمني عُقد في البحرين الأحد الماضي، أقرّ أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، بوقوع “أخطاء جماعية” من جانب بلاده ودول أخرى، بسبب عدم فرض عقوبات على قادة الانقلاب العسكري في عام 2021، الذي أطاح بالحكومة المدنية الانتقالية في السودان.

وقال قرقاش: “لقد ارتكبنا جميعًا خطأً عندما سمحنا للجنرالين اللذين يتقاتلان اليوم بالإطاحة بالحكومة المدنية، كان ذلك خطأً فادحًا بالنظر إلى الماضي، وكان ينبغي علينا أن نتخذ موقفًا جماعيًا واضحًا، لكننا لم نسمّه انقلابًا آنذاك.”

وبحسب الغارديان يعد هذا الاعتراف تطورًا لافتًا، إذ كانت الإمارات خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير عام 2019 قد ساهمت في إضعاف المسار المدني، وسعت لتعزيز نفوذ الجيش وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بحجة الحفاظ على “استقرار العملية الانتقالية”.

ففي عام 2019، قدّمت الإمارات والسعودية قرضًا مشتركًا بقيمة 3 مليارات دولار للمجلس العسكري الانتقالي، ثم جمّدتا الدفعات اللاحقة حين بدأ المكوّن المدني يكتسب نفوذًا أكبر.

ويقول الباحث جوناس هورنر من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إنّ هذا التجميد ساهم بشكل مباشر في إضعاف الحكومة المدنية ومهّد الطريق لانقلاب 2021، الذي أعقبته حرب أهلية دامية بين الجيش والدعم السريع في عام 2023.

اتهامات وتسليح سري

وبعد مرور أربع سنوات على الانقلاب، تُواجه الإمارات اتهامات متزايدة بتسليح قوات الدعم السريع سرًا، رغم نفيها المتكرر لذلك. فقد أدرجت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في يناير الماضي حميدتي وسبع شركات مقرها الإمارات ضمن قائمة العقوبات، في حين وثّقت تقارير أممية وصحفية عمليات نقل أسلحة وذخائر من الأراضي الإماراتية إلى السودان عبر وسطاء.

ورغم إداناتها العلنية لمجازر الفاشر، تُحمّل أبوظبي مسؤولية ما حدث للجيش السوداني، متهمةً إياه بعدم تقديم تنازلات سياسية كافية.

وفي المقابل، ترد الإمارات على الانتقادات الدولية بالتأكيد أنها ضحية “حملات تضليل إعلامي” يقودها إسلاميون في الجيش ومنظمات غير حكومية معادية لها، وتؤكد أنها تسعى لإعادة المسار نحو حكم مدني بعيد عن نفوذ الإسلاميين.

وتقول لانا نسيبة، وزيرة الدولة الإماراتية للشؤون الخارجية، إن بلادها ليست راعيًا رئيسيًا للحرب بل طرفًا محايدًا يسعى للوساطة، مضيفة أن “الجانبين – الجيش والدعم السريع – استبعدا نفسيهما من المشاركة في مستقبل السودان”.

أما ياسمين أحمد، مديرة مكتب “هيومن رايتس ووتش” في المملكة المتحدة، فترى أن اختبار صدق الإمارات يكمن في مدى تعاونها مع لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بمراقبة حظر الأسلحة المفروض على السودان.

ويقول كاميرون هدسون، رئيس أركان المبعوثين الأمريكيين السابقين إلى السودان: “ما نراه حتى الآن هو إنكار تام من السلطات الإماراتية لأي دور في الصراع، وحتى نتفق على مجموعة أساسية من الحقائق، سيكون من الصعب التوصل إلى حل حقيقي.”

مصالح اقتصادية عميقة

تعود علاقة الإمارات بالسودان إلى عقود، مدفوعة أساسًا بالمصالح الاقتصادية والطموح في الوصول إلى الموارد الطبيعية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، رأت دول الخليج في السودان مصدرًا محتملًا للأمن الغذائي والقوى العاملة، واستثمرت مليارات الدولارات في القطاعين الزراعي والحيواني.

ويقول الباحث هورنر إنّ “تأمين الوصول إلى الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموارد المعدنية في السودان يُمثل أولوية وجودية لدول الخليج، التي تستورد أكثر من 80% من غذائها.”

كما تسعى الإمارات إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر من خلال مشروعات الموانئ. ففي ديسمبر 2022، وقّعت مجموعة موانئ أبوظبي المملوكة للدولة اتفاقًا بقيمة 6 مليارات دولار لبناء ميناء “أبو أمامة” شمال بورتسودان، لكن القائد العسكري عبد الفتاح البرهان ألغى الصفقة لاحقًا، وسط توقعات بأن تسعى الإمارات لإحيائها في المستقبل.

يمتد النفوذ الإماراتي أيضًا إلى القطاع المصرفي، إذ تمتلك بنوكًا إماراتية حصصًا كبيرة في بنك الخرطوم، أكبر بنك تجاري في البلاد، الذي يلعب دورًا رئيسيًا في التحويلات المالية. أما الذهب، فيبقى العنصر الأهم في العلاقة الاقتصادية بين البلدين.

فوفقًا لإحصاءات رسمية، تمثل صادرات الذهب نحو 49% من إجمالي صادرات السودان، وقد بلغت الكميات المصدرة من المناطق الخاضعة للجيش 74 طنًا عام 2024، ذهب نحو 97% منها إلى الإمارات، بقيمة 1.52 مليار دولار. لكن الخبراء يؤكدون أن الجزء الأكبر من تجارة الذهب – حوالي 90% – يتم تهريبه بشكل غير رسمي، وغالبًا ما يمر عبر دول الجوار قبل أن يصل إلى الإمارات.

وذكر تقرير لمعهد تشاتام هاوس الشهر الماضي أن الإمارات “ما زالت تستفيد من ذهب الصراع السوداني”، مشيرًا إلى ضعف تطبيق القيود الدولية على واردات الذهب القادمة من مناطق النزاع.

من اليمن إلى دارفور

علاقة حميدتي بالإمارات تعود إلى تدخّل قوات الدعم السريع في حرب اليمن إلى جانب التحالف الذي تقوده الرياض وأبوظبي. ومن خلال هذه العلاقة، رسّخ حميدتي نفوذًا قويًا مع الشركات الإماراتية، خاصة تلك العاملة في مجال التعدين، حيث تسيطر شركته العائلية “الجنيد” على عدد من مناجم الذهب في دارفور.

وتعتبر الإمارات أن مواجهة النفوذ الإسلامي في السودان جزء من استراتيجيتها الإقليمية الأوسع، على غرار تدخلها في شرق ليبيا وجنوب اليمن. غير أن هذا التوجه بات اليوم مكلفًا، مع تزايد الانتقادات واتهامات التورط في تأجيج الصراع.

ضغط دولي متصاعد

تأمل الولايات المتحدة في أن تلعب الإمارات ومصر دورًا حاسمًا في إنهاء الحرب، من خلال الضغط على حلفائهما داخل السودان. وقد شكّل البيان الرباعي الصادر في 12 سبتمبر/أيلول الماضي – بمشاركة واشنطن والرياض وأبوظبي والقاهرة – خطوة مهمة نحو التوصل إلى هدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر تمهيدًا لوقف دائم لإطلاق النار، يعقبه تشكيل حكومة مدنية مستقلة خلال تسعة أشهر.

وأكد البيان المشترك أن “مستقبل حكم السودان يقرره شعبه عبر عملية انتقالية شاملة وشفافة”، لكنه في الوقت نفسه تبنّى موقف الإمارات المعادي لجماعة الإخوان المسلمين، مشددًا على أنه “لا يمكن للجماعات المتطرفة أو المرتبطة بالإخوان أن تُملي مستقبل السودان”.

ورغم الجهود الدبلوماسية الجارية في واشنطن، لا تزال المحادثات متعثرة في غياب ممثلين مدنيين سودانيين حقيقيين، ما يشير – وفق محللين – إلى أن إنهاء الصراع يتطلب تدخّلًا مباشرًا من كبار المسؤولين الأمريكيين لإقناع الأطراف المتحاربة وداعميهم الإقليميين بأن استمرار القتال لن يؤدي سوى إلى مزيد من المآسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى