بوليتيكو: الإمارات ضغطت لتجنب إدانة دورها في حرب السودان داخل البرلمان الأوروبي

شهدت أروقة البرلمان الأوروبي خلال الأسبوع الجاري نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً وغير مسبوق تقوده الإمارات العربية المتحدة، في سباق محموم للتأثير على قرار أوروبي منتظر بشأن الحرب الأهلية السودانية بحسب ما كشفت صحيفة بوليتيكو.

وقالت الصحيفة غنه مع تصاعد الاتهامات الدولية الموجهة ضد أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، سعت الإمارات بكل أدواتها السياسية والدبلوماسية إلى إزالة أي لغة قد تشير إليها في القرار، قبل لحظات من التصويت في ستراسبورغ.

وأوضحت الصحيفة أنه قبل التصويت بساعات، تحركت الإمارات بشكل واضح وعلني داخل البرلمان الأوروبي، بعد أن باتت تدرك أن بعض الكتل السياسية الكبرى — مثل الاشتراكيين والديمقراطيين والخضر — تضغط لإدانة دورها في تغذية الصراع السوداني.

ورداً على ذلك، وصلت المبعوثة الإماراتية إلى أوروبا، لانا نسيبة، إلى ستراسبورغ في توقيت حساس، وعلى رأس وفد دبلوماسي كبير، هدفه الأساسي: تعطيل أي إشارة إلى تورط أبوظبي.

وهذا الحضور الكثيف لم يكن تقليدياً، إذ تقول مصادر من داخل البرلمان الأوروبي إن الوفد الإماراتي عقد سلسلة اجتماعات مغلقة مع نواب مؤثرين، في محاولة لتغيير مسار النقاش السياسي وإعادة صياغة مسودة القرار بما يتوافق مع الرواية الإماراتية التي تنفي دعم قوات الدعم السريع أو التدخل في مسار الحرب.

الاتهامات تتصاعد… ونفي إماراتي مطلق

رغم أن منظمات حقوقية وإعلاماً مستقلاً ومسؤولين سودانيين يؤكدون أن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بالسلاح والعتاد، ما ساهم في تمديد أمد الحرب وتعقيد المشهد الإنساني، فإن أبوظبي لم تتزحزح عن موقفها.

فقد قدم متحدث حكومي إماراتي تصريحات لصحيفة “بوليتيكو” يرفض فيها “أي دليل” على دعم القوات شبه العسكرية، في موقف يتقاطع مع الوثيقة التي وزعتها الإمارات على النواب قبيل التصويت، والتي نفت فيها تقديم أي دعم سياسي أو مالي أو لوجستي للميليشيا.

وفي نهاية المطاف، تبنى البرلمان الأوروبي قراراً شديد اللهجة يدين الحرب الأهلية الدموية في السودان، ويتحدث عن جرائم قد ترقى إلى “الإبادة الجماعية”، بما يشمل القتل العرقي والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتجويع المتعمد للمدنيين.

لكن ورغم قوة النص، فإنه خلا تماماً من أي ذكر للإمارات أو لأي دولة يُشتبه في دورها في تغذية الصراع. اكتفت لغة القرار بالدعوة إلى فرض عقوبات على “الممولين والممكنين الخارجيين”، دون تسميتهم.

وقالت بوليتيكو إن هذا التغييب كان نتيجة مباشرة لمفاوضات معقدة بين الكتل السياسية الأوروبية، حيث رفض حزب الشعب الأوروبي المحافظ — وهو إحدى الكتل الأكبر — أي لغة تستهدف الإمارات بشكل مباشر.

وقد وقف معه الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة، ما أدى إلى إسقاط أي فقرة تشير إلى أبوظبي رغم الضغوط من الاشتراكيين والخضر وحزب رينيو الليبرالي.

غرفة خاصة داخل البرلمان… ولقاءات خلف الأبواب المغلقة

خلال أيام النقاش، حصل الوفد الإماراتي على غرفة خاصة في مبنى البرلمان الأوروبي، وهو أمر لا يحدث إلا للشخصيات ذات الوزن السياسي. ومن هناك، عقدت المبعوثة نسيبة لقاءات متلاحقة مع نواب أوروبيين، مؤكدة لهم أن الإمارات “تعمل على إحلال السلام”، وأنها ليست طرفاً في تأجيج الحرب، في خطاب بدا كوصفة جاهزة لإعادة صياغة مسودة القرار.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن نسيبة ضغطت شخصياً على نواب بارزين من بينهم رئيسة البرلمان روبرتا ميتسولا، كما التقت مفاوضي الاشتراكيين والخضر لإقناعهم بالتخلي عن مطالبهم بإدانة الإمارات.

وأكدت النائبة الهولندية ماريت مايج أنها واجهت الوفد الإماراتي بمعلومات تؤكد تورط أبوظبي في دعم قوات الدعم السريع، ورغم ذلك لم تصل هذه الحقيقة إلى النص النهائي للقرار.

أما نائبة حزب الخضر نيلا ريهل فاعتبرت أن القرار “جيد لكنه ناقص”، وأن حذف اسم الإمارات يمثل “ثغرة سياسية كبيرة”.

التحالفات السياسية منحت الإمارات ما تريد

يبدو أن أبوظبي استفادت من التوازنات السياسية داخل البرلمان الأوروبي، وخصوصاً رغبة الأحزاب المحافظة واليمينية في تجنب صدام مع الإمارات، إضافة إلى حساسية العلاقات الاقتصادية بين الطرفين.

فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى تسريع اتفاق تجاري ضخم مع الإمارات، وقد وصف مسؤول إماراتي كبير المفاوضات بأنها “تتقدم بسرعة البرق”. هذا السياق الاقتصادي، وفق مراقبين، جعل بعض المجموعات السياسية أكثر حذراً من توتير العلاقات مع أبوظبي في لحظة حساسة.

على الجانب الحقوقي، قال جمال العطار، المدير التنفيذي لمنظمة IFRD الحقوقية، إن الإمارات مارست “ضغوطاً مضادة مكثفة” لتجنب إدراج اسمها في القرار، متهماً أبوظبي بمحاولة “السيطرة على الأضرار” عبر حملة دبلوماسية نشطة وتحرك مباشر من أعلى المستويات.

ورغم ذلك، أشادت الخارجية الإماراتية بقرار البرلمان، ووصفته بأنه “إيجابي وفي الوقت المناسب”، لأنه — ببساطة — لم يتهم الإمارات بأي دور في تغذية الحرب، بل صنّفها طرفاً في جهود الوساطة إلى جانب الولايات المتحدة ومصر والسعودية.

وبين الضغوط السياسية في أوروبا والاتهامات المتصاعدة في السودان، يبقى الواقع على الأرض أكثر مأساوية: حرب دخلت عامها الثاني، عشرات الآلاف من القتلى، 25 مليون إنسان يعانون من الجوع، وميليشيات ترتكب جرائم تُعد من الأسوأ في تاريخ البلاد الحديث.

ومع أن البرلمان الأوروبي أصدر قراراً قوياً ضد قوات الدعم السريع وجرائمها، إلا أن غياب أي تسمية للدول الداعمة يطرح أسئلة جدية حول تأثير المال والنفوذ على صناعة القرارات الأوروبية الحساسة.

وما حدث في ستراسبورغ هذا الأسبوع يعكس — بوضوح — أن السياسة الأوروبية ليست محصنة من الضغوط الخارجية، وأن قدرة الدول الغنية على التأثير في مسار القرارات الجوهرية ما تزال أقوى مما ينبغي، حتى عندما يتعلق الأمر بجرائم حرب تحظى بإجماع دولي على خطورتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى