رهان بن سلمان على الانفراج مع إيران يرتد عكسيًا مع تصاعد الحرب الإقليمية

كشفت فايننشال تايمز أن رهان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على تهدئة التوتر مع إيران تحوّل إلى عبء استراتيجي، بعدما أدت الحرب الأخيرة إلى تهديد مباشر للاستقرار الذي سعى إليه لدعم رؤيته الاقتصادية.

وبحسب الصحيفة، انتقل بن سلمان خلال سنوات قليلة من التحذير من “استرضاء” المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي شبّهه سابقًا بـ“هتلر الجديد”، إلى تبني سياسة الانخراط مع طهران، في محاولة لاحتواء التوترات الإقليمية وتهيئة بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات الأجنبية.

غير أن هذا التوجه، وفق التقرير، واجه اختبارًا قاسيًا بعد اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة، حيث شنت إيران هجمات متكررة استهدفت مواقع داخل السعودية ودول خليجية، بما في ذلك قواعد أمريكية ومنشآت حيوية.

ونقلت الصحيفة عن الأكاديمي برنارد هيكل أن هذا السيناريو كان “آخر ما يريده” بن سلمان، مشيرًا إلى أن ولي العهد كان يسعى إلى الاستقرار، لا إلى أجواء الحرب والصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويرى التقرير أن استمرار الحرب يهدد بشكل مباشر مشاريع “رؤية 2030”، التي تعتمد على جذب الاستثمارات وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للتجارة والسياحة، خاصة مع اضطراب الفعاليات الدولية وإلغاء بعض الأنشطة الكبرى.

كما حذّر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو أمين الناصر من تداعيات “كارثية” على الاقتصاد العالمي في حال استمرار الصراع، معتبرًا أن الأزمة الحالية هي الأكبر التي يواجهها قطاع الطاقة في المنطقة.

وبحسب فراس مقصد من مجموعة أوراسيا، فإن الحرب تمثل انتكاسة إضافية لخطط الإصلاح الاقتصادي، حيث ستضطر السعودية إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو الدفاع، ما يطيل أمد تحقيق الأهداف الاقتصادية.

ورغم أن المملكة لم تتضرر بنفس مستوى بعض جيرانها، مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، إلا أن التهديدات الأمنية المتزايدة تضعها أمام تحديات متصاعدة، خاصة مع احتمال توسع الصراع.

وتشير الصحيفة إلى أن السعودية تجد نفسها في موقف معقد: فهي من جهة تدعو إلى خفض التصعيد، ومن جهة أخرى تخشى أن يؤدي توقف الحرب دون حسم إلى ترك إيران أكثر تشددًا وجرأة في محيطها الإقليمي.

كما لفت التقرير إلى أن الرياض لا تسعى بالضرورة إلى تغيير النظام في إيران، لكنها ترى في إضعافه مصلحة استراتيجية، وسط توازن دقيق بين تجنب الفوضى وعدم السماح بتعزيز قدرات طهران العسكرية.

ورغم جهود التهدئة، بما في ذلك الاتفاق الذي استأنفت بموجبه العلاقات بين البلدين بوساطة الصين عام 2023، فإن التطورات الأخيرة أظهرت محدودية هذا النهج، خاصة مع استمرار الهجمات الإيرانية ضمن استراتيجية رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما أكدت الصحيفة أن السعودية حاولت النأي بنفسها عن الصراع، إذ أبلغت طهران بعدم السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لأي عمليات عسكرية، إلا أن ذلك لم يمنع استهدافها.

وفي هذا السياق، برزت مخاوف من انخراط الحوثيين المدعومين من إيران في النزاع، ما قد يعيد التصعيد على الجبهة اليمنية، رغم الهدنة الهشة القائمة منذ عام 2022.

كما أشارت “فايننشال تايمز” إلى أن هذا التصعيد أعاد تسليط الضوء على اعتماد الرياض الأمني على الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، رغم التحفظات السعودية على نهجه غير المتوقع في إدارة الأزمات.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن قنوات التواصل بين الرياض وطهران لا تزال قائمة، لكنها تراجعت إلى مستوى أدنى، في ظل ما وصفته بـ“تلاشي الوهم” بإمكانية بناء علاقة مستقرة مع إيران.

وختمت الصحيفة بأن الحرب كشفت حدود سياسة الانفراج التي تبناها بن سلمان، إذ وجد نفسه أمام واقع إقليمي متفجر، يهدد ليس فقط أمن المملكة، بل أيضًا طموحاتها الاقتصادية بعيدة المدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى