“بدون ورق”.. ديوانية رقمية كويتية تعيد تشكيل المشهد الإعلامي في الخليج

في أعقاب جائحة كوفيد-19، أسس فيصل العجيل ومنيرة الشريفي واحدة من أبرز شركات الإعلام الناشئة في المنطقة، عبر مشروع إعلامي أعاد تقديم مفهوم “الديوانية” الكويتية التقليدية بصورة رقمية تناسب العصر الحديث.
ويقع مقر مجموعة “سرد”، الشركة المنتجة لبودكاست “بدون ورق”، في حي القبلة القديم بمدينة الكويت، حيث يجمع المكان بين المكاتب والاستوديو ومساحة مستوحاة من الديوانية الكويتية التي عُرفت تاريخياً باعتبارها مجلساً اجتماعياً للنقاش وتبادل الأفكار.
وتحوّل “بدون ورق” خلال سنوات قليلة إلى أحد أشهر البرامج الحوارية في الخليج، مع وصول عدد متابعيه إلى نحو مليوني مشترك على منصة يوتيوب وحدها، واستضافته شخصيات بارزة من العالم العربي وخارجه، في محاولة لنقل روح الحوار التقليدي إلى الفضاء الرقمي.
ويرى مؤسسا المشروع أن الديوانية ليست مجرد مكان للقاء، بل نموذج ثقافي يقوم على الحوار المفتوح. فقد كانت تاريخياً مساحة تجمع التجار والبحارة والبدو لمناقشة شؤون الحياة والعمل والمجتمع، قبل أن تتحول عبر الزمن إلى منتدى سياسي واجتماعي وثقافي.
وبحسب فيصل العجيل، فإن اهتمامه بعالم الإعلام بدأ منذ الطفولة متأثراً بالمسرح الكويتي، خاصة عبر تجربة والده الفنان عبد الرحمن العجيل الذي شارك في أعمال مسرحية بارزة.
وقال العجيل إن المسرح كان بالنسبة له مساحة لفهم فكرة تقديم محتوى يجمع بين الترفيه والقيم، مضيفاً أن مشروعه الحالي يسعى إلى “مكافحة التضليل والروايات الكاذبة” وتقديم صوت مختلف.
أما منيرة الشريفي، فجاء ارتباطها بالإعلام من بيئة عائلية قريبة من الصحافة والكتابة، إذ عمل والدها جابر الشريفي صحفياً ومذيعاً رياضياً، بينما عملت والدتها منى الشمري في الصحافة قبل أن تصبح كاتبة معروفة.
وقالت الشريفي إنها نشأت وسط الصحف وغرف الأخبار ومعارض الكتب، مشيرة إلى أن قراءة الصحف ومناقشة العناوين كانت جزءاً من حياتها اليومية منذ الصغر.
ورغم هذا الارتباط المبكر بالإعلام، لم يبدأ الثنائي مسيرته المهنية في هذا المجال، إذ درس العجيل الصيدلة وحصل على عدة شهادات فيها، بينما اتجهت الشريفي إلى المحاسبة والأعمال قبل الانتقال إلى المجال الإعلامي.
وبدأت فكرة المشروع بشكل فعلي عام 2019 عندما بحث العجيل عن مسار مختلف بعيداً عن عمله التقليدي، قبل أن يلتقي بالشريفي ويبدأ العمل على فكرة إنشاء “ديوانية رقمية” تستضيف أصواتاً متنوعة تناقش قضايا العالم العربي.
وجاء إطلاق “بدون ورق” بالتزامن تقريباً مع تفشي جائحة كورونا عام 2020، حيث نشر البرنامج حلقته الأولى بعد يومين من إعلان منظمة الصحة العالمية تحول انتشار الفيروس إلى جائحة عالمية.
واعتمد البرنامج منذ بدايته على الحوارات الطويلة غير المكتوبة، مع التركيز على اللغة العربية والأسلوب القريب من الجمهور، بهدف جعل النقاشات الفكرية والسياسية والاجتماعية أكثر سهولة.
واستضاف البرنامج شخصيات متنوعة، بينها الطبيب الفلسطيني غسان أبو ستة، والوزيرة الكويتية السابقة هند الصبيح، والصحفي مهدي حسن، وضابط وكالة المخابرات المركزية السابق جون كيرياكو، والإمام الأمريكي عمر سليمان.
وشكلت الحلقة المئة مع السياسي والأكاديمي الكويتي عبد الله النفيسي نقطة تحول بارزة في انتشار البرنامج، بحسب القائمين عليه.
ومع توسع المشروع، أطلقت مجموعة “سرد” مشاريع أخرى بينها “بدون ورق بلس” الذي يستهدف جمهوراً عالمياً عبر توفير الترجمة بين العربية والإنجليزية واستضافة شخصيات دولية.
كما دخلت المجموعة مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، من خلال مشاريع تتناول قضايا المنطقة، بينها عمل عن فريد المدحان المعروف باسم “قيصر”، الذي سرّب آلاف الصور التي وثقت انتهاكات نظام بشار الأسد.
ويؤكد العجيل والشريفي أن هدفهما يتجاوز صناعة المحتوى، نحو بناء نموذج إعلامي عربي قادر على تقديم قصص المنطقة بلغتها ومن منظورها الخاص.
وقالت الشريفي إن مستقبل المشروع لا يرتبط فقط بالتوسع، بل بقدرته على الحفاظ على صدقه وأهميته، معتبرة أن استمرار التجربة مرهون بقدرتها على التعامل مع كل مرحلة بواقعية وأمانة.















