الضربة الإسرائيلية على سوريا تختبر تركيا بعد اتفاقية مكة للدفاع المشترك

أثارت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال سوريا توتراً جديداً بين أنقرة وتل أبيب، بعدما جاءت في توقيت حساس أعقب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مكة بين تركيا والسعودية وباكستان، وبينما تستعد تركيا لتعزيز تعاونها العسكري مع الحكومة السورية الجديدة.
ويرى مقربون من دوائر القرار في أنقرة أن الهجوم الإسرائيلي حمل رسالة سياسية وأمنية مباشرة إلى تركيا، واختبر حدود حضورها المتنامي في سوريا، في وقت يترقب فيه الرئيس رجب طيب أردوغان زيارة مرتقبة إلى دمشق هي الأولى له منذ سقوط حكومة بشار الأسد.
ونفذت إسرائيل ضربات على قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب، الواقعة على مسافة تقارب 70 كيلومتراً من الحدود التركية.
وأفادت مصادر سورية بأن الضربات استهدفت المدرج ومنشآت داخل القاعدة، من دون تسجيل خسائر بشرية. وجاء الهجوم بعد ساعات من زيارة وفد تركي للموقع للاطلاع على أعمال إعادة تأهيله.
وبررت إسرائيل العملية بالقول إن دمشق كانت على وشك السماح بانتشار قوات تركية في القاعدة، معتبرة أن ذلك يشكل خرقاً للوضع الأمني القائم ويهدد أمنها.
لكن دمشق نفت وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية أو نشر عسكري تركي دائم في الموقع، مؤكدة أن أعمال التأهيل تستهدف إعادة تشغيل القاعدة لصالح القوات الجوية السورية وتبقى تحت السيادة والسيطرة السوريتين.
وردت أنقرة برفض الرواية الإسرائيلية، واعتبرت الاتهامات محاولة لتبرير ضربات وصفتها بأنها غير قانونية وتمس سيادة سوريا ووحدة أراضيها. كما اتهمت الرئاسة التركية حكومة بنيامين نتنياهو بمواصلة سياسات توسعية ومزعزعة للاستقرار في المنطقة.
ويكتسب توقيت الهجوم أهمية خاصة لأنه جاء بعد أيام من توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان.
وتؤكد أنقرة أن الاتفاق ذو طابع دفاعي، ويهدف إلى تطوير التعاون العسكري وتعزيز القدرة المشتركة للدول الثلاث، ولا يستهدف دولة بعينها.
لكن مصادر مقربة من أنقرة رأت أن إسرائيل تنظر إلى إعادة تشكيل العلاقات الدفاعية في المنطقة بعين القلق، خصوصاً مع توسع الدور التركي في إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية.
ومن هذا المنظور، بدت قاعدة أبو الظهور هدفاً مناسباً لتوجيه رسالة مفادها أن إسرائيل لن تسمح بفرض ترتيبات عسكرية جديدة في سوريا من دون أن تأخذ حساباتها الأمنية في الاعتبار.
وأظهرت التطورات أن الخلاف تجاوز مستوى التصريحات السياسية. فبحسب معلومات نقلتها مصادر غربية، كان هناك تواصل بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين قبل الضربة، تركز على الوجود العسكري التركي المحتمل في سوريا.
ومع ذلك، مضت إسرائيل في تنفيذ العملية رغم تأكيد دمشق عدم وجود خطة لنشر قوات تركية بصورة دائمة في القاعدة.
وأدى الهجوم إلى زيادة المخاوف من احتمال وقوع احتكاك مباشر بين القوات التركية والإسرائيلية في المجال السوري.
وحذر المبعوث الأمريكي إلى تركيا وسوريا، توماس باراك، من أن الضربة مثلت تصعيداً غير ضروري، مشيراً إلى أن غياب التنسيق أو المعلومات المسبقة يمكن أن يؤدي إلى سوء تقدير خطير بين القوى العسكرية الموجودة في المنطقة. كما تعمل واشنطن على تطوير آلية لفض الاشتباك وتبادل المعلومات بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
وتزداد حساسية الموقف لأن تركيا تعد الداعم العسكري والسياسي الأبرز للحكومة السورية الجديدة، وقد وسعت تعاونها مع دمشق في مجالات التدريب العسكري وإعادة بناء القدرات الدفاعية.
في المقابل، تنظر إسرائيل بقلق إلى احتمال تحول سوريا الجديدة إلى ساحة نفوذ عسكري تركي أوسع، وترى أن إعادة تأهيل القواعد والمنشآت العسكرية السورية قد تؤدي إلى تغيير تدريجي في التوازن الأمني القائم.
ويشير محللون إلى أن الضربة كشفت بصورة أكثر وضوحاً التنافس بين المشروعين التركي والإسرائيلي في سوريا.
فأنقرة تسعى إلى بناء دولة سورية مستقرة تمتلك مؤسسة عسكرية قادرة على حماية أراضيها، بينما تعمل إسرائيل على منع ظهور قدرات عسكرية قد تعتبرها تهديداً مستقبلياً لأمنها.
ويأتي ذلك في ظل تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية منذ الحرب على غزة، قبل أن ينتقل التنافس بشكل أكثر وضوحاً إلى الساحة السورية.
وتتهم أنقرة إسرائيل بالسعي إلى إضعاف سوريا ومنع استقرارها، بينما تعتبر تل أبيب التوسع العسكري التركي في الدولة المجاورة عاملاً جديداً في حساباتها الأمنية.
وتحمل الضربة أيضاً رسالة شخصية وسياسية إلى أردوغان، بحسب قراءة مصادر مقربة من أنقرة، خصوصاً بعد إعلانه نيته زيارة دمشق لاحقاً هذا العام.
ويرى هؤلاء أن إسرائيل تسعى إلى التأكيد بأن تحركات تركيا في سوريا ستظل خاضعة لاختبار القوة، وأن أي محاولة لبناء ترتيبات أمنية جديدة لن تمر من دون رد.
وبينما تجنبت تركيا حتى الآن الانجرار إلى مواجهة مباشرة، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية بالقرب من مناطق النفوذ التركي يرفع احتمال سوء الحسابات ورسالة بأن الصراع على شكل النظام الأمني الإقليمي لم يعد بعيداً عن خطر المواجهة المباشرة.















