شركات التكنولوجيا الأميركية تجني ثمار الطموح الخليجي في الذكاء الاصطناعي

تعيش شركات التكنولوجيا الأميركية، وعلى رأسها “نيفيديا” و”إيه إم دي”، فترة ذهبية في منطقة الخليج العربي، مستفيدة من موجة إنفاق هائلة تقودها السعودية والإمارات لبناء صناعات ذكاء اصطناعي محلية.

ورغم الزخم الكبير الذي تحمله هذه الاستثمارات، تحذر تقارير من أن الاندفاعة الخليجية لا تخلو من المخاطر الجيوسياسية والتجارية التي قد تقوض المكاسب الأميركية طويلة الأجل.

ففي الأسابيع الماضية، أعلنت شركتا “نيفيديا” و”إيه إم دي” عن صفقات ضخمة مع دول الخليج، شملت بيع ملايين من شرائح المعالجة عالية الأداء.

وساهمت هذه الأخبار في ارتفاع أسهم “نيفيديا” بنسبة 15% خلال أسبوع واحد، بينما صعدت أسهم “إيه إم دي” إثر إعلانها عن صفقة في السعودية قد تصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار.

بديل عن الصين.. والبوابة الخليجية للذكاء الاصطناعي

تحققت هذه المكاسب في لحظة حرجة بالنسبة لشركات التكنولوجيا الأميركية التي تلقت ضربة موجعة بعد فرض قيود تصدير مشددة على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى الصين.

كانت “نيفيديا” بالأخص تعتمد على السوق الصينية كمصدر رئيسي للإيرادات، في قطاع تُقدَّر قيمته بنحو 50 مليار دولار سنويًا في المستقبل القريب. ومع إغلاق هذا الباب، تحولت أنظارها إلى الخليج كبديل مربح وواعد.

وتُدرج الاستثمارات الخليجية في هذا المجال ضمن مشاريع التحول الاقتصادي التي تتبناها الدول الخليجية منذ سنوات، بهدف تقليص الاعتماد على النفط، وتحقيق تنويع اقتصادي مستدام.

وتعمل هذه الدول على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي محلية باللغة العربية، وهو ما يُعدّ مسألة “فخر قومي”، بحسب وصف التقرير الذي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال.

استثمارات طموحة.. ولكن!

مع ذلك، لا تزال هناك شكوك قوية حول استدامة هذه الطفرة. فقد سبق أن أطلقت السعودية والإمارات مشاريع عملاقة جذبت أنظار العالم، لكن كثيرًا منها تراجع أو تعثّر بسبب سوء الإدارة أو الصراعات السياسية الداخلية والخارجية.

المثال الأبرز على ذلك هو مشروع “نيوم”، المدينة المستقبلية السعودية التي أُعلنت عام 2017، لكن تكاليفها تضخمت بشكل هائل، وتأخرت مراحل إنجازها مرارًا، وسط تقديرات بأن تنفيذ المرحلة الأولى وحدها سيكلف نحو 370 مليار دولار خلال عقد.

وتطرح هذه التجربة تساؤلات حقيقية حول مدى التزام الحكومات الخليجية بمواصلة الإنفاق الضخم على مشاريع الذكاء الاصطناعي، لا سيما إذا تغيرت الأولويات السياسية، أو تعرضت اقتصاداتها لصدمات مالية ناتجة عن تراجع أسعار النفط أو أزمات إقليمية.

قيود أميركية جديدة في الأفق؟

وعلى الرغم من أن صفقات “نيفيديا” و”إيه إم دي” مثّلت انفراجة في العلاقات التكنولوجية بين الخليج والولايات المتحدة، إلا أن هذا المسار قد لا يكون مستقرًا.

فقد عبّر مسؤولون أميركيون عن قلقهم من إمكانية استغلال الصين لعلاقاتها الوثيقة مع دول الخليج للالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على تطوير الذكاء الاصطناعي.

ردًا على هذه المخاوف، اقترحت إدارة بايدن وضع حصص تصدير مخصصة للشرائح المرسلة إلى الشرق الأوسط، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ الكامل، بعد أن ألغت إدارة ترمب المقترحات السابقة عقب تلقيها التزامات إماراتية باستثمارات بقيمة 1.4 تريليون دولار خلال العقد المقبل. غير أن هذا الإلغاء لا يبدو دائمًا، خاصة إذا تبنت إدارة أميركية مقبلة نهجًا أكثر تشددًا.

مخاطر الحرب وتبدّل الأولويات

تزيد التوترات الإقليمية، ولا سيما الصراع المستمر بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وإيران، من هشاشة بيئة الاستثمار في الخليج.

فإذا ما اتسع النزاع وتحول إلى مواجهة شاملة، فإن احتمالات إغلاق المجال الجوي أو استهداف البنى التحتية أو تضرر المصالح الأميركية العسكرية في الخليج تصبح واقعية، ما سيدفع الشركات الأميركية إلى تقليص نشاطها أو إبطاء عملياتها.

في حال طال أمد الصراع، فإن حكومات الخليج قد تعيد توجيه أولوياتها السياسية والمالية بعيدًا عن مشاريع التكنولوجيا الفائقة، وتركز بدلاً من ذلك على الأمن والدفاع. وهو سيناريو قد يُفضي إلى توقف التدفقات المالية نحو شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية بشكل مفاجئ، مهددًا الاستثمارات المتوقعة بالإلغاء أو التجميد.

منجم ذهب مؤقت؟

وبينما تبدو منطقة الشرق الأوسط، في هذه المرحلة، وكأنها منجم ذهب جديد لشركات التكنولوجيا الأميركية، يظل مستقبل هذه الفرصة رهينًا بجملة من العوامل المتقلبة، بدءًا من المزاج السياسي في واشنطن، مرورًا بالاستقرار الأمني في الخليج، وانتهاءً بقدرة الحكومات المحلية على تنفيذ مشاريعها الطموحة بكفاءة وشفافية.

ومما يزيد من عدم اليقين أن بعض هذه الدول، على الرغم من الإنفاق الهائل، لم تحدد حتى الآن بشكل واضح من سيكون المستفيد النهائي من خدمات الذكاء الاصطناعي التي تبنيها.

وهذا الغموض يجعل من الصعب تصنيف هذه الدول كمشترين تقليديين أو مستهلكين دائمين، على عكس شركات القطاع الخاص التي تشتري التكنولوجيا بهدف تعزيز الإنتاجية وتحقيق أرباح مباشرة.

وبينما تجني شركات التكنولوجيا الأميركية ثمارًا سريعة من الإنفاق الخليجي الطموح على الذكاء الاصطناعي، لكن هذه الثمار محاطة بحقول ألغام سياسية وتجارية. وإذا لم تُعالج المخاوف المتعلقة بالشفافية، واستقرار المشاريع، والعلاقات الجيوسياسية المعقدة، فقد تتحول الفرصة الواعدة إلى فقاعة اقتصادية لا تلبث أن تنفجر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى