وول ستريت: وهم متبادل دفع ولي العهد السعودي نحو خطط خيالية

بهذا العنوان سلطت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية الضوء على ” تقرير مراجعة ” داخلي قدم إلى أعضاء مجلس إدارة مدينة نيوم يثبت وجود مشاكل يواجهها المشروع.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ “وهما متبادلا” تسبّب فيه، حيث دفع ولي العهد السعودي نحو “خطط خيالية”، فيما “لم يكشف المديرون التنفيذيون له الحجم الكامل للتحدّيات والتكاليف”.
وكان من المفترض أن يكون مشروع “نيوم” السعودي مدينة مستقبلية متطورة، تهدف إلى تنويع اقتصاد المملكة، غير أنّ “الآمال الكبيرة تواجه تأخيرات في الإنجاز وارتفاعا في التكاليف”.
وقالت الصحيفة إنّ “المملكة شهدت في أكتوبر الماضي افتتاحا فخما لأول مشاريع مدينة نيوم، والمعروف بمشروع جزيرة سندالة، لكن الواقع يبدو بعيدا جدا عن بريق حفل الافتتاح، حيث ما زالت المنتجعات والفنادق والمطاعم خالية من الزوار”.
تأخير وتكلفة باهظة
وأوضحت الصحيفة أنّ “هذا المشروع الذي يمثل جزءا صغيرا من مدينة نيوم المستقبلية، تأخّر أكثر من ثلاث سنوات وقاربت تكلفته 4 مليار دولار، أي ثلاثة أضعاف ميزانيته الأولية”.
وخلال الافتتاح الذي بلغت تكلفته حوالي 45 مليون دولار حسب وثائق مجلس إدارة نيوم، “كانت الفنادق غير مكتملة، وجزء كبير من الموقع ما يزال قيد الإنشاء”.
وحسب الصحيفة، فإنه كان من اللافت غياب صاحب فكرة مدينة نيوم، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عن حفل افتتاح مشروع جزيرة سندالة، وقد اعتبر العديد من موظفي نيوم غيابه علامة على عدم الرضا.
وبعد أسابيع من افتتاح سندالة، غادر الرئيس التنفيذي لمشروع “نيوم”، نظمي النصر -الذي عمل لمدة ست سنوات وكان أحد المقربين من ولي العهد- منصبه، وتم تعيين طاقم جديد من المديرين التنفيذيين.
التنفيذ يصطدم بالواقع
واعتبرت الصحيفة أنّ أحلام ولي العهد المستوحاة من الخيال العلمي اصطدمت بالواقع بعد إنفاق أكثر من 50 مليار دولار، فقد ارتفعت التكاليف، وزادت عمليات التأخير في تنفيذ المشاريع.
كما أنّ القرار الذي صدر السنة الماضية بتقليص المرحلة الأولى من “نيوم” يهدّد بحرمان المدينة الصحراوية من الكتلة السكانية الضرورية لتصبح مركزا تجاريا حديثا.
وأرجعت الصحيفة سبب مشاكل نيوم إلى “الوهم المتبادل” بين صاحب المشروع والمشرفين على تنفيذه.
فقد قالت إنّ “ولي العهد السعودي وضع خططا خيالية، بينما قام المديرون التنفيذيون بخداعه حول النطاق الكامل للتحديات والتكاليف، وهو ما أكّده موظفون سابقون وتدقيق داخلي للمشروع يتكون من أكثر من 100 صفحة تم تقديمه لأعضاء مجلس إدارة نيوم في الربيع الماضي”.
وحمل التدقيق اسم “المسودة النهائية”، وقد وجد أنّ المديرين التنفيذيين، بمساعدة شركة “ماكنزي” الاستشارية، وضعوا في بعض الأحيان أهدافا غير واقعية في خطة عمل نيوم لتبرير ارتفاع تقديرات التكلفة.
ووجدت المراجعة “أدلة على تلاعب متعمد” بالشؤون المالية من “بعض أعضاء الإدارة”.
وقدّر مجلس الإدارة في عرض تقديمي يعود إلى الصيف الماضي النفقات الرأسمالية المطلوبة لبناء مدينة نيوم وصولا إلى “المرحلة النهائية” سنة 2080 بمبلغ 8.8 تريليون دولار -أي أكثر بـ25 مرة من الميزانية السنوية للمملكة-، و370 مليار دولار للمرحلة الأولى بحلول 2035.
وتقوم الدولة السعودية بتمويل حصة الأسد من التكاليف الأولية لمشروع نيوم، ويأمل المسؤولون السعوديون أن يتحمّل القطاع الخاص جزءا من النفقات المستقبليّة لتخفيف العبء عن الحكومة.
وقالت متحدثة باسم نيوم إنّ وول ستريت جورنال “تفسّر الأرقام وتحرّفها بشكل غير صحيح”، ورفضت تقديم تفاصيل إضافية.
وأضافت أنّ نيوم “تدعم التميز والمهنية والتنوع والسلوك الأخلاقي”، ولديها سياسات تتطلّب من الموظفين التمسك بهذه القيم، مؤكّدة أنّ “أولويات المشروع سليمة، والمشروع ما يزال على المسار الصحيح، مما يدل على تقدّم ملموس”.
كما أشارت إلى أنّ التعديلات في الجدول الزمني وزيادة التكاليف من الأمور الشائعة عند تنفيذ المشاريع الكبيرة.
تلاعب بتقديرات الأرباح
وذكرت الصحيفة أنّ مسؤولي نيوم وضعوا خططا لبناء 10 أميال من مشروع “ذا لاين” بحلول سنة 2030، وهو ما يعادل تشييد ثلاثة أضعاف مباني المكاتب في ميدتاون مانهاتن خلال عقد من الزمان، ويتطلّب ذلك كميات هائلة من الفولاذ والزجاج.
وحسب الصحيفة، فإنّ التكاليف ستشكّل تحدّيا كبيرا، حيث إنّ موقع البناء النائي يكاد يفتقر تماما إلى العمالة، ولا يحتوي على ميناء كبير، كما أنّ الطرق قليلة وإمدادات الكهرباء غير كافية.
ويتضمّن التصميم مدينة ترفيهية على ارتفاع 1000 قدم، إضافة إلى مسارح معلّقة في الهواء بين البرجين المتوازيين.
ونقلت الصحيفة عن بعض الموظفين السابقين أنهم جعلوا الأرقام تبدو منطقية على الورق من خلال الادّعاء أنّ تكلفة “ذا لاين” لكل قدم مربع ستكون أقل من ناطحات السحاب الشاهقة في الرياض، كما افترض المخططون أنّ زيادة حجم الإنتاج ستسهم في خفض الأسعار.
وأكّد أحد الموظفين السابقين أنّ المهندس المعماري الذي أشرف على مشروع “ذا لاين” في بدايته، توم ماين من شركة “مورفوسيس” الأمريكية، أراد أن يُطلع ولي العهد على مخاوفه بشأن التكلفة الباهظة للمشروع، لكن مسؤولي نيوم رفضوا طلبه.
ووفقا للتدقيق الداخلي وبعض الموظفين السابقين، فإنّ مقاولي الأعمال الأولية قدّموا عروض أسعار مرتفعة، وكانت إحدى الطرق التي أخفى بها المسؤولون التنفيذيون ارتفاع التكاليف هي رفع فرضيات تحقيق الأرباح.
وأكّدت الصحيفة أنّ ولي العهد طلب من المشرفين على نيوم استخدام مقياس استثماري شائع يُعرف بمعدل العائد الداخلي، وهو النسبة المئوية المقدّرة للربح بعد عام من الاستثمار.
فإذا بلغت تكلفة بناء فندق مليون دولار، وأصبحت قيمته 1.1 مليون دولار بعد سنة، فإنّ معدّل العائد الداخلي سيكون 10٪.
وكشف تقييم داخلي في خريف 2023 عن تجاوز تكاليف منتجع تروجينا 10 مليار دولار، مما خفّض معدل العائد الداخلي إلى 7٪، أي أقل من الهدف المعلن وهو 9٪. ومن أجل تغطية الفجوة، تم رفع تقديرات أسعار الإقامة في أحد المنتجعات إلى 704 دولارات لليلة بدلا من 216 دولارا، وسعر غرفة في أحد الفنادق إلى 1866 دولارا بدلا من 489 دولارا، وفقا للعرض الداخلي، وساهمت هذه التعديلات في رفع معدّل العائد إلى 9.3٪.
وحسب التدقيق، فقد برر أنتوني فيفس، الذي أشرف على الرؤية العامة في نيوم، ارتفاع التكاليف بزيادة توقعات الإيرادات.
وأكّد في بريد لزملائه ومستشاري شركة ماكنزي قبل اجتماع مهم أنه، “يجب ألّا نذكر التكاليف استباقيًا على الإطلاق”.
وقال محامي أنتوني فيفز إنّ العمل في نيوم “تم بصدق تام وطموح يتناسبان مع متطلبات المشروع، إضافةً إلى ولاء مطلق لقيادة البلاد”.
وكشف التدقيق الداخلي أنه تمت إقالة مدير مشروع سندالة بعد تشكيكه في تقديرات التكاليف، كما ورد فيه أنّ شركة ماكنزي ساعدت في تطوير “نماذج لزيادة التوقعات في حساب معدّل العائد الداخلي” وصادقت على التوقعات المالية لمشروع سندالة بعد أن رفض مستشار آخر القيام بذلك.
وأوصى المدقّقون بإجراء تحقيق إضافي في احتمال تضارب المصالح، نظرا إلى دور ماكنزي في التخطيط والمصادقة على المشاريع معًا. وقد تجاوزت مداخيل ماكنزي من نيوم 130 مليون دولار خلال سنة واحدة، وفق مصادر مطّلعة.
مشاكل ارتفاع “ذا لاين”
وبيّنت الصحيفة أنّ ارتفاع “ذا لاين” الذي يبلغ 1640 قدما كان أحد العوامل الرئيسية لارتفاع التكاليف، في ظل تحديات تصميم الأبراج الشاهقة وبنائها في هذه المنطقة الصحراوية النائية.
لذلك حثّ موظفو نيوم المسؤولين مرارا على خفض الارتفاع إلى نحو 1000 قدم لتقليل التكاليف. وأظهرت محاضر اجتماع مجلس إدارة نيوم في ربيع السنة الماضية أنّ ولي العهد شدّد على عدم خفض الارتفاع، وأكّد ضرورة توفير التكاليف في جوانب أخرى من المشروع.
واقترح رئيس صندوق الثروة السيادية في البلاد، ياسر الرميان، استخدام “تقنيات جديدة لتقليل القوى العاملة” بهدف الضغط على التكاليف.
وأكّدت الصحيفة أنّ المسؤولين جمّدوا جزءا من خط السكك الحديدية الذي يتطلّب نفقا بطول 18 ميلا، والهدف حاليّا افتتاح نصف ميل يعلوه ملعب لاستضافة مباريات كأس العالم بحلول 2034.
وقال دينيس هيكي، المشرف على تطوير “ذا لاين”، خلال منتدى دافوس الاقتصادي في جانفي: “نأمل أن نبدأ البناء عموديّا بحلول نهاية هذه السنة”.















