تحقيق يكشف تهريب الأسلحة من بلغاريا إلى السودان عبر الإمارات .. الجزء الأول
الجزء الأول من سلسلة تحقيقات استقصائية تنشرها فرانس 24

كشفت تحقيقات موسّعة أجرتها شبكة “فرانس 24” بالتعاون مع “بلينغكات” عن شبكة معقّدة لتهريب الأسلحة إلى السودان، رغم الحظر الدولي المفروض على البلاد منذ سنوات.
ووفقًا للوثائق والصور التي تم تحليلها، فإن هذه الأسلحة تم نقلها من بلغاريا، بوساطة شركة إماراتية، إلى منطقة دارفور التي تمزقها الحرب، حيث يُعتقد أن قوات الدعم السريع حصلت عليها.
هذا التحقيق هو الجزء الأول من سلسلة تحقيقات تعمل “فرانس 24” على تتبّعها ونشرها، وستكشف في الأجزاء القادمة مزيدًا من التفاصيل حول مسارات التهريب، الجهات المتورطة، وآثار هذا التورط على الصراع الدامي في السودان.
صور وأدلة على الأرض
البداية كانت من صور نُشرت على حسابات موالية لقوات الدعم السريع في وسائل التواصل الاجتماعي. أظهرت الصور مقاتلين من هذه القوات وهم يستخدمون بنادق هجومية من طراز “AR-M9F”، وهي أسلحة تصنعها شركة “أرسنال” البلغارية. هذا الطراز تحديدًا يُعد متطورًا نسبيًا، ويتميّز بخفة الوزن والدقة، ما يجعله سلاحًا مفضلاً في النزاعات المسلحة.
أثارت هذه الصور شكوكًا وتساؤلات، نظرًا لأن السودان يخضع لحظر دولي على بيع الأسلحة منذ عام 2004، عقب النزاع الدموي في دارفور. كما أن قوات الدعم السريع ليست الجهة الرسمية المعترف بها دوليًا، بل تعتبر ميليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.


التحقق من المصدر
شرع فريق التحقيق في تتبّع أصل هذه الأسلحة. استعان الفريق بخبراء في تحليل الصور ومقاطع الفيديو، بالإضافة إلى بيانات الرحلات الجوية والمصادر التجارية المفتوحة. أحد الأدلة الأساسية كان رقمًا متسلسلاً مرئيًا على إحدى البنادق الظاهرة في الصور.
باستخدام هذا الرقم، تمكن الفريق من تتبع السلاح إلى شركة “أرسنال” البلغارية، التي أكدت بدورها أنها باعت هذا النوع من البنادق إلى شركة إماراتية تُدعى “CARACAL International”، وهي تابعة لمجموعة “EDGE”، المملوكة للحكومة الإماراتية. الصفقة تمّت رسميًا في عام 2022.


الطريق إلى السودان
لكن كيف وصلت هذه الأسلحة من الإمارات إلى السودان؟ باستخدام بيانات الطيران التجاري والمراقبة الجوية، اكتشف المحققون مسارات لرحلات شحن جوية غامضة بين مطارات في الإمارات وأفريقيا، خاصة مطار عنتبي في أوغندا، ثم إلى دارفور.
واحدة من هذه الرحلات كانت على متن طائرة شحن يُعتقد أنها مملوكة لشركة تتعامل مع جهات شبه عسكرية. لم تُعلن هذه الرحلات رسميًا، ولم تكن مدرجة في جداول الرحلات المعتادة، ما يشير إلى طابعها السري.
تورط ضمني
تشير الأدلة إلى أن الإمارات قد تكون ضالعة بشكل غير مباشر في إيصال هذه الأسلحة إلى قوات الدعم السريع. ورغم عدم وجود تصريح رسمي بذلك، إلا أن العلاقة الوثيقة بين شركة “CARACAL” والحكومة الإماراتية تثير تساؤلات حول علم السلطات بالصفقة النهائية.
من جانبها، نفت وزارة الخارجية الإماراتية أي علم لها بتسليم الأسلحة إلى السودان، مشيرة إلى أن صادرات الأسلحة تتم وفق “إجراءات رقابية صارمة”. لكن التحقيق يشير إلى ثغرات واضحة في تلك الرقابة.
انتهاك للحظر الدولي
يُعد نقل الأسلحة إلى السودان انتهاكًا مباشرًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، خاصة القرار رقم 1556 الصادر عام 2004، والذي فرض حظرًا على تصدير الأسلحة إلى السودان بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور. وعلى الرغم من مرور عقدين، لم يُرفع هذا الحظر حتى الآن، ولا تزال العقوبات سارية.
كما أن تسليح ميليشيا غير حكومية مثل قوات الدعم السريع يُعتبر مخالفة جسيمة للقوانين الدولية، ويزيد من تعقيد الأزمة في السودان التي تفاقمت منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
من هي قوات الدعم السريع؟
تأسست قوات الدعم السريع في عام 2013 كقوة موازية للجيش السوداني، وتضخّمت خلال السنوات اللاحقة لتصبح قوة ضاربة ذات نفوذ كبير، خاصة في إقليم دارفور. يقودها محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، وهي متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بحسب منظمات دولية.
منذ اندلاع الحرب الأهلية الأخيرة، لعبت هذه القوات دورًا محوريًا في المعارك، وسيطرت على مناطق واسعة من الخرطوم ودارفور، ما دفع بآلاف المدنيين إلى الفرار، وعمّق الكارثة الإنسانية.
ردود فعل دولية
أثار التحقيق ردود فعل أولية في بعض الأوساط الحقوقية. فقد طالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” بفتح تحقيق مستقل في ما كشفته “فرانس 24″، كما دعت إلى فرض عقوبات جديدة على الجهات التي تثبت صلتها بتمويل أو تسليح أطراف النزاع في السودان.
من جهته، امتنع الاتحاد الأوروبي حتى الآن عن التعليق رسميًا، لكن مصادر دبلوماسية أكدت أن الأمر “قيد المراجعة”، خاصة أن بلغاريا عضو في الاتحاد وتخضع للوائح تصدير الأسلحة الأوروبية.
ما التالي؟
تعهد فريق التحقيق بمواصلة تتبع خيوط القضية. في الأجزاء المقبلة من السلسلة، ستُكشف تفاصيل إضافية حول الأطراف المشاركة في عمليات الشحن، الشبكات اللوجستية، والدور الذي قد تكون لعبته دول أخرى في تسهيل وصول الأسلحة إلى منطقة النزاع.
التحقيق يطرح أسئلة خطيرة حول كيفية استمرار النزاعات في أفريقيا بتغذية خارجية، رغم الحظر والعقوبات الدولية. كما يُبرز الحاجة الملحّة إلى نظام رقابي عالمي أكثر شفافية وصرامة في مراقبة صادرات الأسلحة.
المصدر| فرانس 24















