محكمة تركية تأمر بحبس رئيس بلدية إسطنبول على ذمة المحاكمة

في خطوة مفاجئة أثارت جدلًا واسعًا، أمر القضاء التركي بحبس رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو في اطار التحقيقات بتهمة “الفساد”، وهي تهمة يرفضها ويصفها بأنها “غير أخلاقية ولا أساس لها”.
وجاء هذا القرار قبل أيام فقط من إعلان حزب الشعب الجمهوري المعارض تسميته مرشحًا في الانتخابات الرئاسية لعام 2028، مما عزز الاعتقاد بأن القضية ذات دوافع سياسية تهدف إلى عرقلة صعوده كأحد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان.
وأعلن أحد محاميه أنه سيتم استئناف قرار سجنه، موضحا “سنستأنف بالطبع أمر السجن”.
موجة احتجاجات واسعة وقمع أمني
أدى اعتقال إمام أوغلو إلى خروج احتجاجات ضخمة في إسطنبول ومدن تركية أخرى، حيث رفع المتظاهرون لافتات تحمل شعارات مناهضة للحكومة، من بينها “الديكتاتوريون جبناء” و”حزب العدالة والتنمية، لن تسكتنا”.
وشهدت إسطنبول تظاهرات ليلية ضخمة، وصفها المراقبون بأنها الأكبر منذ فترة، قبل أن تتدخل قوات الأمن بعنف لتفريقها مستخدمة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وقنابل الصوت.
ووفقًا لمصادر حقوقية، تم اعتقال المئات من المحتجين، بينما أفاد مراسلو وكالة فرانس برس أن الشرطة اقتحمت تجمعات المحتجين واعتقلت بعضهم داخل منازلهم.
وقال زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل إن أكثر من نصف مليون شخص شاركوا في التظاهرات دعمًا لإمام أوغلو، مؤكدًا أن المعارضة لن تتراجع أمام ما وصفه بـ”الانقلاب السياسي”.
محاكمة مثيرة للجدل
تم اقتياد إمام أوغلو برفقة 90 متهمًا آخرين إلى محكمة تشاغليان في إسطنبول وسط إجراءات أمنية مشددة. وبعد جلسة استماع مطولة استمرت ساعات، رفض القضاء اتهامه بـ”الإرهاب”، لكنه أمر بسجنه بتهمة الفساد، وهو ما اعتبرته المعارضة استهدافًا سياسيًا واضحًا.
وأكد محاموه أن الملف القانوني المقدم ضده يحتوي على شهادات غير موقعة وتقارير تم الكشف عنها في وسائل الإعلام قبل أن تُعرض أمام المحكمة. وقال المحامي محمد بهليفان: “الحق في محاكمة عادلة قد انتُهك، واللجوء إلى شهود سريين بهذه الطريقة غير قانوني”.
وفي رسالة عبر محاميه، شدد إمام أوغلو على رفضه الاستسلام، داعيًا أنصاره إلى التمسك بالديمقراطية قائلاً: “لن أرضخ، أنتم تدافعون عن جمهوريتنا ومستقبل تركيا العادلة”.
تصعيد أمني وتحذيرات حكومية
مع تصاعد الاحتجاجات، أصدر وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا بيانًا توعد فيه بعدم التسامح مع “من يحاولون خلق الفوضى والاستفزاز”، معلنًا اعتقال 343 شخصًا حتى الآن، في حين تواصلت عمليات الاعتقال خلال الليل في إسطنبول وأنقرة وإزمير ومدن أخرى.
وأظهرت لقطات تلفزيونية الشرطة وهي تستخدم خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين في إزمير، بينما استخدمت الرصاص المطاطي في إسطنبول، مما أسفر عن وقوع إصابات بين المتظاهرين.
مستقبل إمام أوغلو والمعارضة في تركيا
يعتبر إمام أوغلو أحد أبرز وجوه المعارضة التركية، حيث نجح في انتزاع رئاسة بلدية إسطنبول من حزب العدالة والتنمية عام 2019 في انتخابات مثيرة، ورغم محاولات إقصائه عبر القضاء، لا يزال يحظى بشعبية كبيرة.
ويرى المراقبون أن محاكمته وسجنه قد تكون محاولة لمنعه من الترشح للرئاسة في 2028، وهو ما يضعف فرص المعارضة في مواجهة أردوغان. لكن في المقابل، يمكن أن تؤدي هذه القضية إلى تعزيز شعبيته كما حدث سابقًا مع شخصيات معارضة تعرضت لملاحقات قانونية.
في ظل هذا المشهد المتوتر، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع إمام أوغلو تجاوز هذه الأزمة والعودة إلى الساحة السياسية، أم أن الحكومة ستنجح في إقصائه نهائيًا عبر المحاكم؟















