التوسع الإماراتي في أفريقيا… إمبراطورية اقتصادية تتقاطع مع نفوذ سياسي يثير الجدل

أبرزت صحيفة التلغراف البريطانية أن دولة الإمارات تقود واحدة من أوسع حملات التوسع الاستثماري في القارة الأفريقية، وهي حملة لم تشهد المنطقة شبيهاً لها منذ عقود، سواء من حيث حجم الأموال المتدفقة أو نوعية القطاعات المستهدفة.
وقالت الصحيفة إن هذا التوسع الإماراتي لا يقتصر على الاستثمار التقليدي، بل يحمل ملامح مشروع نفوذ أوسع، تُستخدم فيه الشركات العملاقة والأذرع المالية كأدوات لتوسيع الحضور السياسي والعسكري والاقتصادي على حدّ سواء.
وفي صلب هذا الحراك تقف شركة “إنترناشونال هولدينغ” (IHC)، التي تحولت خلال أقل من عشرة أعوام من شركة صغيرة تعمل في تربية الأسماك إلى ما يشبه “إمبراطورية اقتصادية” تمتد امتداد نفوذ الدولة، بقيمة سوقية تقدر بنحو 182 مليار جنيه إسترليني، وعمليات تشمل أكثر من 1300 شركة فرعية و86 ألف موظف موزعين على عدة قارات.
وبحسب الصحيفة تملك الشركة اليوم حصصاً مؤثرة في شركات عالمية تعمل في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والتعدين والزراعة.
لكن أفريقيا تبقى ساحة النفوذ الأبرز لـ IHC، حيث استحوذت الشركة على مناجم حيوية للنحاس والقصدير في زامبيا والكونغو الديمقراطية، إضافة إلى مئات الآلاف من الهكتارات الزراعية في السودان ومصر.
وتشير الصحيفة إلى أن هذا التوسع في القارة لا يتم بمعزل عما يجري في السياسة، بل يتقاطع بوضوح مع توجهات الدولة الإماراتية ورهاناتها الاستراتيجية.
ووفقاً لمصادر دبلوماسية تحدثت إلى التلغراف، فإن النفوذ الهائل لـ IHC وطبيعة ارتباطها بدوائر صنع القرار في أبوظبي يطمسان بشكل كبير الحدود بين القطاع الخاص ومؤسسات الدولة، ويجعلان من الاستثمارات أدوات نفوذ تتجاوز الربح المالي إلى التأثير السياسي المباشر.
ولهذا يذهب ناشطون وخبراء إلى تشبيه تمدد الشركة بشركة الهند الشرقية البريطانية، التي لعبت دوراً محورياً في التحكم بالموارد والتجارة في الهند خلال القرون الماضية.
ورغم أن الشركة ترفض هذه المقارنة، وتؤكد التزامها بالحوكمة والشفافية والمعايير الدولية، إلا أن الانتقادات تتصاعد مع توسع المشاريع الإماراتية في مناطق تعاني هشاشة سياسية واقتصادية.
وفي السودان تحديداً، تتزايد المؤشرات – وفق ما نقلته الصحيفة – على أن الإمارات باتت أكبر مستثمر زراعي أجنبي في البلاد، حيث حصلت مؤسسات إماراتية على مساحات زراعية شاسعة تمتد لآلاف الكيلومترات.
وكانت الخطة تقضي بتطوير ميناء جديد بتمويل إماراتي ضمن صفقة تصل قيمتها إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني من أجل تسهيل تصدير المنتجات الزراعية إلى الأسواق الخليجية والعالمية.
لكن اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عطّل الكثير من هذه المشاريع، وأثار أسئلة واسعة حول طبيعة العلاقة بين الإمارات والقوى الصاعدة في البلاد، ولا سيما قوات الدعم السريع.
ويرى دبلوماسيون وخبراء تحدثوا للصحيفة أن هذا التوسع الزراعي والمعدني يشكل شكلاً جديداً من “الاستعمار الاقتصادي”، حيث يجري استخراج الموارد وتوجيهها إلى الخارج دون أن تجني المجتمعات المحلية نصيباً عادلاً من التنمية أو العوائد.
وبينما تؤكد أبوظبي أن هدفها هو دمج الاقتصادات الأفريقية في الأسواق العالمية وتعزيز الربط التجاري بين الشمال والجنوب، يرى منتقدون أن الواقع على الأرض يظهر اعتماداً متزايداً على العمالة المحلية الرخيصة مقابل أرباح طائلة للشركات، دون انعكاس حقيقي على البنية الاقتصادية أو الاجتماعية للدول المضيفة.
وتشير التلغراف أيضاً إلى الدور السياسي المتنامي للشيخ منصور بن زايد، أحد أبرز أقطاب العائلة الحاكمة، والذي تربطه علاقات وثيقة بعدد من القادة الأفارقة، بينهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي زار أبوظبي عدة مرات قبل اندلاع الحرب السودانية، إضافة إلى الجنرال الليبي خليفة حفتر، الذي يتهم هو الآخر بالحصول على دعم إماراتي في سياق الحرب الليبية.
ورغم نفي أبوظبي تقديم دعم عسكري مباشر لأي طرف، فإن تقارير استخباراتية غربية – بحسب الصحيفة – تشير إلى درجة عالية من التنسيق السياسي والاقتصادي مع هذه الشخصيات.
ويرى محللون نقلت عنهم الصحيفة أن الإمارات تنظر إلى السودان وليبيا وسواهما من دول الساحل والقرن الأفريقي من زاوية استراتيجية أوسع تشمل الأمن الغذائي عبر السيطرة على الأراضي الخصبة والموارد الزراعية.
وكذلك التحكم بطرق التجارة والموانئ على البحر الأحمر، ودعم الصراع الإقليمي مع الحركات الإسلامية، حيث ترى الإمارات في قادة ذوي توجهات علمانية أو عسكرية – مثل حفتر وحميدتي – حلفاء طبيعيين ضد أي نفوذ سياسي إسلامي إلى جانب تعزيز النفوذ الجيوسياسي في منطقة تعاني فراغاً كبيراً بفعل تراجع الاهتمام الغربي المباشر.
وتجعل هذه العوامل مجتمعة من التمدد الإماراتي في أفريقيا مشروعاً يتجاوز دائرة الاستثمار إلى محاولة رسم محور نفوذ جديد يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ثم إلى العمق الأفريقي.
ورغم أن أبوظبي تؤكد أن تحركاتها تأتي ضمن إطار “التنمية والاستثمار”، فإن حجم الارتباط بين الشركات العملاقة وبين مراكز القرار السياسي يجعل من الصعب فصل الاقتصاد عن السياسة في هذا المشهد.
وبينما تستمر الحرب في السودان، والتوتر في ليبيا، وعدم الاستقرار في دول الساحل، تزداد الأسئلة التي تطرحها التلغراف حول الدور الحقيقي للإمارات في القارة وأنها تدير مشروع نفوذ جيوسياسي يقوم على استغلال الاضطرابات لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية.















