القصف الإسرائيلي للدوحة يهزّ أسس الوساطة الدولية

في خطوة وُصفت بأنها انتهاك خطير لأبسط مبادئ القانون الدولي، شنّت إسرائيل هجومًا صاروخيًا على العاصمة القطرية الدوحة الأسبوع الماضي، مستهدفة دولة تُعدّ أحد أبرز الوسطاء الموثوقين في النزاعات الإقليمية والدولية.

وقد أثارت الحادثة صدمة واسعة، إذ طالت دولة حليفة للولايات المتحدة، وتحتضن قاعدة العديد الجوية حيث يتمركز أكثر من عشرة آلاف جندي أمريكي مع عائلاتهم.

وعلى مدى عقود، لعبت قطر دورًا محوريًا في تسهيل المفاوضات بين أطراف متصارعة في مناطق متعددة من العالم: من دارفور إلى فنزويلا، ومن أفغانستان إلى لبنان، مرورًا بجمهورية الكونغو الديمقراطية وتشاد وإيران وأوكرانيا. كما سعت الدوحة مرارًا للتوسط في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي.

وجعلت هذه الخبرة المتجذّرة من قطر قناة موثوقة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء جمهورية أم ديمقراطية، إذ طلبت واشنطن وساطتها في ملفات شائكة.

وقد أسهمت تلك الجهود في تحقيق انفراجات عدة، أبرزها المفاوضات مع حركة طالبان التي أنهت أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة.

الهجوم الإسرائيلي: ضربة للوساطة

الهجوم الصاروخي الإسرائيلي على الدوحة مثّل سابقة غير مألوفة، إذ لم يحدث في الذاكرة الحديثة أن استهدفت دولة طرفًا وسيطًا.

وأكد وزير الدولة القطري في وزارة الخارجية، محمد بن عبد العزيز الخليفي لصحيفة واشنطن بوست، أن الهجوم كان اعتداءً على “جوهر الوساطة” وألقى بظلال من الشك على مفاوضات وقف إطلاق النار مع حركة حماس.

وقد صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التوتر مهددًا بمزيد من الضربات إن لم تستجب قطر لمطالبه. ويأتي هذا التصعيد في سياق حملة عسكرية إسرائيلية توسعت منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وطالت اليمن ولبنان وسوريا وإيران، قبل أن تصل إلى الأراضي القطرية.

دوافع نتنياهو وأجندة “إسرائيل الكبرى”

يرى مراقبون أن نتنياهو يوظف هذه الضربات لتعزيز مشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي يقوم على فكرة توسعية تدّعي السيادة على أراضٍ في دول مجاورة.

وبحسب الخليفي، فإن هذه الطموحات “تشكّل تهديدًا مباشرًا للسلام والأمن الإقليميين وللنظام القانوني الدولي”، خاصة مع استمرار الحرب الإسرائيلية في غزة، حيث يتعرض الفلسطينيون للقتل والتهجير والتجويع منذ نحو عامين.

وقد بررت الحكومة الإسرائيلية الهجوم بمقارنات مثيرة للجدل، مشبهةً استهداف قطر بعمليات واشنطن ضد أسامة بن لادن أو حملات فرنسا في إفريقيا. إلا أن هذه المبررات وُصفت بالمغالطات.

فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم تستهدف مكتب طالبان في الدوحة عندما كانت تفاوضها، بل طلبت من قطر استضافة تلك المحادثات إدراكًا لقيمة الوسيط.

الأمر ذاته ينطبق على إسرائيل نفسها، التي لطالما اعتمدت على الدوحة كقناة غير مباشرة للتواصل مع حركة حماس، عبر مكتب الحركة في قطر الذي أُنشئ بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب لتفادي التصعيد وتسهيل دخول المساعدات إلى غزة.

وساطة أنقذت أرواحًا

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في غزة، ضمنت الوساطة القطرية الإفراج عن أكثر من 140 أسيرا إسرائيلية، وساهمت في إدخال مساعدات إنسانية حيوية إلى غزة.

هذه الجهود، بحسب الخليفي، تجعل من انتقاد نتنياهو لقطر بسبب استضافة مسؤولي حماس “إهانة لذكاء المجتمع الدولي، وللإعلام، وحتى للرأي العام الإسرائيلي”.

وتؤكد الدوحة أن استهداف الوسطاء يشكل تهديدًا خطيرًا للدبلوماسية الدولية. فإذا باتت الدول الوسيطة عرضة للقصف بلا محاسبة، فمن سيستضيف محادثات السلام مستقبلًا؟ غياب قنوات آمنة للحوار يترك الحرب كخيار وحيد، ويقوّض أسس النظام الدولي المبني على سيادة القانون.

وفي مواجهة هذه التطورات، دعت قطر المجتمع الدولي إلى التكاتف ورسم “خط واضح” أمام السلوك الإسرائيلي.

ورحّبت الدوحة بإدانة مجلس الأمن للهجوم باعتبارها خطوة أولى، لكنها شددت على ضرورة اتخاذ إجراءات أوسع لحماية الوسطاء وضمان استمرار قنوات الدبلوماسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى