الكويت بين الجمود الداخلي والتنافس الخليجي: إصلاحات بطيئة في ظل تحولات إقليمية متسارعة

مع تعليق البرلمان الكويتي في مايو/أيار 2024 بقرار من الأمير الشيخ مشعل الأحمد الصباح، بدا وكأن الدولة مقبلة على مرحلة جديدة من كسر الجمود السياسي الذي عطّل الإصلاحات الاقتصادية لسنوات. الخطوة وُصفت حينها بأنها حاسمة، لكن مرور أكثر من عام كشف أن وتيرة التغيير في الكويت لا تزال متواضعة، خصوصاً إذا ما قورنت بالتحولات الجذرية التي تشهدها بقية دول الخليج.

وكان جاء قرار الحل في وقت حساس، إذ كان الاقتصاد الكويتي يعيش عامه الثاني من الركود، بعد انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6% في 2023، وتوقع البنك الدولي انكماشاً جديداً في 2024 بنسبة 2.9%. هذه الأرقام جاءت انعكاساً لأزمة سياسية خانقة شهدت استقالة عشرة مجالس وزراء وإجراء أربع انتخابات برلمانية منذ 2020، من دون أن تنجح أي منها في كسر الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وقد كان البرلمان يعارض على نحو متكرر مشاريع القوانين المالية والهيكلية، وهو ما عطّل مشاريع بنية تحتية كبرى، بما في ذلك مشاريع حيوية في قطاع النفط. ومع ذلك، اعتُبر القرار فرصة لإطلاق إصلاحات مالية وإدارية طال انتظارها، وهو ما شدّد عليه صندوق النقد الدولي داعياً إلى “حزمة شاملة ومترابطة من الإصلاحات الهيكلية”.

خطوات محدودة نحو التنويع

منذ منتصف 2024، أقرّت الحكومة بعض التشريعات، بينها قانون جديد للدَّين العام لأول مرة منذ عقد، يسمح بالاقتراض حتى 30 مليار دينار كويتي (97 مليار دولار) لتمويل مشاريع البنية التحتية. كما فُرضت ضريبة دنيا بنسبة 15% على الشركات متعددة الجنسيات، بما يتماشى مع معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في محاولة لتوسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية.
وعلى صعيد الطاقة، شرعت شركة البترول الوطنية بدمج أنشطتها مع شركة البتروكيماويات المتكاملة لتقليص التكاليف وتعزيز الكفاءة، فيما دفعت الحكومة بمشاريع للطاقة المتجددة وعززت عقود استيراد الغاز الطبيعي المسال. لكن التحدي الأكبر يبقى التنفيذ، إذ عانت الكويت تاريخياً من التأجيلات، أبرزها مشروع مصفاة الزور الذي تأخر أربع سنوات قبل أن يدخل الخدمة في مايو 2024.

وتبرز أيضاً مشاريع الكهرباء والمياه، مثل مشروع “الزور الشمالي 2 و3” الذي أُبرم عقده مؤخراً مع “أكوا باور” السعودية ومؤسسة الخليج للاستثمار بكلفة 4 مليارات دولار، لإضافة 2700 ميغاواط من الكهرباء و120 مليون غالون يومياً من المياه المحلاة بحلول 2029. غير أن اعتماد المحطة على الغاز المستورد يجعلها مكلفة، رغم ضرورتها في ظل انقطاعات متكررة للتيار.

قطاع النفط: طموحات مؤجلة

يبقى النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الكويتي، لكن طموحات زيادة الإنتاج واجهت عراقيل سياسية وتشريعية متواصلة. فقد أُجّل هدف رفع الطاقة الإنتاجية إلى 4 ملايين برميل يومياً عدة مرات، لينتقل الموعد من 2020 إلى 2030، ثم إلى 2035.

ومع ذلك، حمل عام 2024 بعض المؤشرات الإيجابية، إذ نجحت شركة نفط الكويت لأول مرة منذ سبع سنوات في تحقيق هدف الإنتاج السنوي، ليصل إلى 2.59 مليون برميل يومياً، يُضاف إليها إنتاج المنطقة المحايدة مع السعودية ليبلغ الإجمالي 2.8 مليون برميل يومياً. كما جددت الكويت عقود تعاون مع شركة شل حتى 2029، ما عزز الآمال بقدرة القطاع على تحسين أدائه.

رغم ذلك، تبقى الأسئلة مفتوحة بشأن قدرة الكويت على جذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية لتسريع مشاريعها النفطية، في ظل استمرار الشكوك السياسية والبيروقراطية.

مؤشرات اقتصادية مختلطة

على المدى القصير، يتوقع البنك الدولي نمواً بنسبة 2.2% في 2025، بدعم من تخفيف قيود “أوبك+” على الإنتاج، إضافة إلى توسع القطاع غير النفطي بنسبة 1.6% مدفوعاً بمشاريع البنية التحتية. لكن البنك نفسه حذّر من أن الآفاق طويلة الأمد ستظل رهينة التنفيذ الفعّال للإصلاحات، وهو ما يعيد إلى الواجهة هواجس التعثر السياسي والإداري.

إقليمياً، نجحت الكويت في تجاوز أزمات عاصفة، كان آخرها المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025، والتي وضعت البلاد في خط النار بعد عبور صواريخ لأجوائها. تعاملت الكويت مع الموقف بدبلوماسية حذرة، أبقت قنواتها مع طهران مفتوحة رغم تصاعد التوتر، فيما عززت في الوقت ذاته تعاونها مع السعودية في مشاريع مشتركة.

لكن الملفات العالقة ما زالت تضغط على دبلوماسية الكويت. ففي الشمال، عادت الخلافات مع العراق إلى الواجهة بعد قرار المحكمة العليا العراقية إلغاء اتفاقية ترسيم حدود خور عبد الله عام 2012، ما أعاد الخطاب القومي لبغداد وأثار القلق في الكويت. وفي الشرق، يظل النزاع على حقل الغاز البحري “الدرة – أرش” مع إيران عائقاً أمام تطويره، رغم المحاولات الثلاثية السابقة لحله.

وعليه تبدو الكويت اليوم وكأنها تسير بخطى بطيئة مقارنة بجيرانها الذين نجحوا في تسريع خطط التنويع الاقتصادي والتحول إلى مراكز تجارية إقليمية. ورغم أن تعليق البرلمان منح الحكومة مساحة للتحرك بعيداً عن الشلل السياسي، فإن التحديات التنفيذية والبيروقراطية تجعل الإصلاحات أبطأ مما تستوجبه الحاجة.

التجربة تثبت أن الكويت، رغم ما تملكه من موارد مالية هائلة واحتياطيات سيادية ضخمة، تواجه معضلة في تحويل هذه القوة إلى مشاريع ملموسة قادرة على تأمين مستقبل اقتصادي متنوع ومستدام. وبينما تنخرط دول الخليج الأخرى في سباق محموم لتعزيز مكانتها العالمية، يخشى مراقبون أن يضع الجمود الكويتي الدولة على مسار تراجع نسبي في المشهد الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى