حقيقة تراجع مكانة الدولار الأمريكي وتأثيره على النظام التجاري العالمي

زادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من رغبة الدول في تنويع اقتصاداتها بعيدًا عن الدولار الأمريكي لكن الرغبة وحدها لن تغير أسس التجارة العالمية.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الحديث المتزايد عن تراجع مكانة الدولار الأمريكي لا يستند إلى مؤشرات فعلية، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك الحرب على إيران التي دفعت بعض الدول إلى البحث عن بدائل نقدية وتنويع احتياطاتها.

غير أن هذه الرغبة، بحسب التحليلات، لا تكفي لتغيير الأسس العميقة التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي وفق ما أورد موقع أكسيوس الأمريكي.

وتُظهر الصورة العامة أن الجدل حول انهيار نظام “البترودولار”، الذي يسمح للدول المصدّرة للنفط بإعادة تدوير عائداتها بالدولار، لا يقابله دليل ملموس على حدوث تحول متسارع. وعلى العكس، تزامنت التطورات الأخيرة مع ارتفاع قيمة الدولار في أسواق العملات العالمية.

وتكشف المعطيات أن العلاقات بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها شهدت توترًا خلال العام الماضي، في وقت تسعى فيه قوى منافسة، وعلى رأسها الصين، إلى تقليص الاعتماد على الدولار. ومع ذلك، لم تؤدِ هذه التطورات إلى تغيير جوهري في العوامل التي تدعم هيمنة العملة الأمريكية.

وتعتمد هذه الهيمنة على ما يُعرف بـ”تأثيرات الشبكة”، حيث يستمر استخدام الدولار في التجارة الدولية لأن الأطراف كافة تعتمد عليه. كما تستند إلى بنية تحتية مالية ضخمة بُنيت على مدى عقود، يصعب على أي منافس استبدالها في المدى القريب.

وتُعزز هذه المكانة أيضًا سوق سندات الخزانة الأمريكية، التي تُعد من الأكبر عالميًا وتتمتع بسيولة عالية وإمكانية وصول سهلة للمستثمرين الأجانب، ما يتيح لهم الاحتفاظ بالدولارات واستثمارها بكفاءة.

في المقابل، ترى بعض المدارس الفكرية، سواء في أوساط اليسار الأمريكي أو التيار المؤيد للرئيس السابق دونالد ترامب، أن هذا الدور يضر بالاقتصاد الأمريكي، إذ يؤدي إلى ارتفاع دائم في قيمة الدولار، ما يضعف القدرة التنافسية للصناعات المحلية.

ويرفض هذا الطرح عدد من الاقتصاديين، بينهم كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي موريس أوبستفيلد، الذي أكد في ورقة بحثية حديثة أن العجز المزمن في الحساب الجاري الأمريكي لا يرتبط بالطلب العالمي على الدولار، بل بعوامل داخلية هيكلية.

وأوضح أوبستفيلد أن تفسير العجز على أساس دور الدولار “ينطوي على سوء فهم جوهري لكيفية عمل الأسواق المالية الدولية”، محذرًا من أن هذا الطرح يصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للاختلالات الاقتصادية.

وأشار إلى أن هذه الأسباب تشمل السياسات المالية الأمريكية غير المستدامة، إلى جانب فشل الصين في إعادة توجيه اقتصادها نحو نموذج قائم على الاستهلاك بدلاً من الاعتماد على النمو التصديري.

وبيّن أن الانتشار العالمي للدولار لا يفرض بالضرورة وجود عجز تجاري أمريكي، إذ يمكن للولايات المتحدة تصدير عملتها عبر التدفقات المالية، كما يمكن إنشاء أصول مقومة بالدولار خارجها، خصوصًا من خلال نظام “اليورو دولار”، الذي يسمح للبنوك خارج الولايات المتحدة بتقديم ودائع وقروض بالدولار.

وتخلص التحليلات إلى أن الدور العالمي للدولار أسهم في تحقيق كفاءة عالية في التجارة والتمويل الدوليين، كما منح الولايات المتحدة أداة قوية للتأثير في السياسات الاقتصادية العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى