تقارير استخباراتية: روسيا تصعّد تحركاتها ضد المصالح الأميركية والأوروبية

أظهرت معلومات استخباراتية أميركية حديثة أن الكرملين يرى أن الولايات المتحدة باتت أضعف نتيجة الاستنزاف العسكري الناجم عن الحرب المستمرة منذ ستة أشهر مع إيران، بما قد يفتح أمام روسيا المجال لتصعيد تحركاتها ضد المصالح الأميركية وحلفائها في أوروبا.

وبحسب ما نقلت صحيفة واشنطن بوست عن شخصين مطلعين على التقييمات الاستخباراتية، فإن التقييم المذكور تم قبيل الزيارة الغامضة التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو هذا الأسبوع، حيث التقى نظيره الروسي ومسؤولين آخرين.

ووصفت الصحيفة الزيارة بأنها خطوة نادرة تأتي وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وتراجع الآمال في التوصل إلى تسوية سريعة للنزاع.

وقال أحد المطلعين إن راتكليف حذر المسؤولين الروس من تصعيد الحرب ضد أوكرانيا، مشيراً إلى أن الإقدام على خطوة عسكرية واسعة قد ينقلب بنتائج عكسية على موسكو، خصوصاً إذا دفع ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً ودعماً لكييف.

ووصل راتكليف إلى موسكو الثلاثاء، في أول زيارة معروفة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى العاصمة الروسية منذ أواخر عام 2021، عندما حاول المدير السابق للوكالة، وليام بيرنز، إقناع الكرملين بالعدول عن خطط غزو أوكرانيا.

وأكد رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين إجراء محادثات مع راتكليف، واصفاً الاجتماعات بأنها “غير اعتيادية”، فيما أفاد الكرملين بأن مدير الاستخبارات الأميركية لم يلتق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الزيارة.

ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية والبيت الأبيض تقديم تفاصيل بشأن الزيارة أو أهدافها، في وقت حاول فيه ترمب التقليل من المخاوف المتعلقة بإمكانية شن روسيا هجوماً على حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا.

وقال ترمب، الخميس، إنه لا يعتقد أن بوتين سيهاجم أراضي تابعة لحلف شمال الأطلسي، مؤكداً أن روسيا لن تقدم على مهاجمة دول الحلف.

لكن التقييمات الاستخباراتية الأميركية ترسم صورة أكثر إثارة للقلق، إذ تشير إلى أن موسكو تراقب عن كثب مستوى الاستنزاف الذي تتعرض له القوات الأميركية ومخزونات الأسلحة نتيجة الحرب مع إيران.

وتأتي التحذيرات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة على جاهزية قواتها، وسط تقارير عن استنزاف مخزونات أسلحة رئيسية خلال الحملة العسكرية ضد طهران.

وشملت الأسلحة التي تعرضت لضغوط متزايدة صواريخ باتريوت ومنظومات دفاع جوي أخرى، إضافة إلى صواريخ توماهوك ونظام الصواريخ التكتيكية قصيرة المدى التابع للجيش الأميركي.

وكانت واشنطن بوست قد أفادت في وقت سابق بأن الولايات المتحدة فقدت نحو ربع طائراتها المسيرة من طراز “ريبر”، التي تتراوح تكلفة الواحدة منها بين 30 و50 مليون دولار، وتستخدم في مهام المراقبة والاستطلاع وتحديد الأهداف.

وأثار استنزاف المخزونات العسكرية الأميركية مخاوف لدى حلفاء واشنطن في آسيا، خصوصاً بشأن قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مستوى الردع المطلوب في مواجهة محتملة مع الصين.

في المقابل، نفى وزير الدفاع بيت هيغسيث ومسؤولون آخرون في الإدارة الأميركية وجود نقص خطير في الذخائر، مؤكدين استمرار الضغط على شركات الصناعات الدفاعية لزيادة الإنتاج وتعويض ما تم استخدامه خلال العمليات العسكرية.

وتزامنت زيارة راتكليف مع استمرار الجمود العسكري في الحرب البرية داخل أوكرانيا، بالتزامن مع تصاعد الضربات المتبادلة بين موسكو وكييف.

واستهدفت الهجمات الأوكرانية مواقع روسية حيوية، ولا سيما منشآت مرتبطة بقطاعي الطاقة والتجارة، بينما واصلت روسيا قصف أهداف مدنية وبنى تحتية صناعية ومحطات للطاقة في أنحاء مختلفة من أوكرانيا.

وبحسب أحد المطلعين، فإن زيارة راتكليف مرتبطة بتقييم موسكو أن استنزاف القدرات الأميركية نتيجة الحرب مع إيران قد يحد من قدرة واشنطن على التدخل في أزمات جديدة أو دعم حلفائها بالمستوى نفسه.

وأضاف المصدر أن راتكليف أبلغ المسؤولين الروس بأن تصعيد الحرب بصورة كبيرة قد يؤدي إلى نتيجة لا ترغب فيها موسكو، تتمثل في دفع ترمب إلى التقارب بصورة أكبر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وتقديم دعم إضافي لكييف.

ومع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، تواجه الدول الأوروبية سلسلة متزايدة من الهجمات والعمليات التي توصف بأنها جزء من “الحرب الهجينة”، بما في ذلك محاولة تنفيذ هجوم بطائرة مسيرة على مطار لايبزيغ/هاله في ألمانيا.

ويرى عدد من المحللين وبعض الحكومات الأوروبية أن روسيا تقف على الأرجح وراء جانب من هذه العمليات، التي تشمل أنشطة تخريبية وهجمات إلكترونية وتحركات تستهدف البنية التحتية الحيوية.

وتتصاعد المخاوف بصورة خاصة في دول حلف الناتو الواقعة في أوروبا الشرقية، ولا سيما دول البلطيق، التي تراقب باهتمام احتمال زيادة موسكو ضغوطها أو السماح بتنفيذ توغلات واستفزازات أكثر جرأة.

وتزايدت خلال الفترة الماضية حوادث انتهاك المجال الجوي ودخول طائرات مسيرة إلى أراضي بعض دول المنطقة، رغم أن بعض هذه الحوادث بدا أنه وقع بصورة غير مقصودة.

ويضع هذا المشهد الولايات المتحدة وحلفاءها أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً، إذ تتزامن الحرب مع إيران مع استمرار الحرب في أوكرانيا، بينما تحاول واشنطن الحفاظ على قدرتها العسكرية والردعية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط في آن واحد.

وبحسب التقييمات التي نقلتها واشنطن بوست، تبدو موسكو مستعدة لاختبار حدود القوة الأميركية في هذه المرحلة، مستفيدة من الانشغال العسكري لواشنطن ومن الضغوط التي يفرضها استنزاف الأسلحة والموارد، في وقت يبقى فيه خطر اتساع المواجهة بين روسيا والغرب قائماً رغم استمرار القنوات الاستخباراتية والدبلوماسية بين الجانبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى