أزمة الطاقة تضرب الاقتصاد العالمي وسط تباطؤ النمو وتصاعد الخسائر

تؤكد تقديرات اقتصادية دولية أن تداعيات أزمة الطاقة العالمية تجاوزت حدود الصراع المباشر، لتضرب عمق الاقتصاد العالمي، حتى في حال انتهاء الحرب الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، بعدما استمرت الأزمة لفترة كافية لإحداث خسائر واسعة وممتدة.
وتشير تحليلات ذراع التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة إلى أن ما بدأ كاضطراب في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، تحوّل سريعًا إلى أزمة اقتصادية شاملة تمتد آثارها عبر الأسواق وسلاسل التوريد العالمية.
وتُظهر التوقعات الجديدة أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو تباطؤ ملحوظ، إذ من المرجح أن ينخفض النمو من 2.9% في عام 2025 إلى 2.6% خلال العام الجاري، وذلك حتى دون حدوث أي تصعيد إضافي في الأزمة.
وتتجاوز التداعيات قطاع الطاقة، حيث تتأثر سلع أساسية تمر عبر المنطقة، بما في ذلك المواد المستخدمة في صناعة الأسمدة، والتي توقفت تدفقاتها بشكل كبير نتيجة الاضطرابات، ما يفاقم الضغوط على الإنتاج الزراعي والصناعي عالميًا.
وتُعد الدول النامية الأكثر تضررًا من الأزمة، في ظل هشاشة اقتصاداتها واعتمادها على الاستيراد، فيما لا تسلم الاقتصادات الكبرى من التأثيرات، إذ تعتمد أوروبا بشكل ملحوظ على مضيق هرمز، بينما تبقى الولايات المتحدة مرتبطة بشكل وثيق بأسواق النفط العالمية.
وتدفع اضطرابات الإمدادات وارتفاع الأسعار نحو تباطؤ حركة التجارة العالمية، حيث تتوقع الأمم المتحدة انخفاض نمو تجارة السلع من 4.7% في العام الماضي إلى ما بين 1.5% و2.5% خلال عام 2026.
وتؤدي حالة عدم اليقين المتزايدة إلى انسحاب المستثمرين من الأصول عالية المخاطر، مع اتجاه واضح لبيع الأسهم والسندات والعملات في الأسواق الناشئة، ما يفاقم الضغوط على هذه الاقتصادات.
وترتفع تكاليف الاقتراض بالفعل في عدة مناطق، تشمل أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والدول الآسيوية النامية، إضافة إلى المملكة المتحدة، في مؤشر على اتساع نطاق الأزمة المالية المصاحبة لاضطرابات الطاقة.
وتتجلى الآثار الميدانية للأزمة بشكل حاد في بعض المناطق، حيث يواجه جنوب شرق آسيا نقصًا في الوقود، إلى جانب إجراءات تقنين تهدد النشاط الصناعي، وفق تقديرات محللي المجلس الأطلسي.
وقد بدأت العديد من الدول في تطبيق إجراءات طوارئ لمواجهة تداعيات الأزمة، حيث تنشر وكالة الطاقة الدولية تقييمات تفصيلية لسياسات التعامل مع نقص الإمدادات في كل دولة.
إذ فرضت بنغلاديش قيودًا على استهلاك الوقود، وتخفض مستويات استخدام أجهزة التكييف، كما أغلقت الجامعات في محاولة للحد من الاستهلاك.
واعتمدت الهند سياسات لتقييد استخدام الغاز في القطاع الصناعي، بينما أعلنت الفلبين حالة طوارئ وطنية في مجال الطاقة.
واتخذت كوريا الجنوبية إجراءات لتقليل استهلاك الوقود، من بينها دعوة مالكي السيارات إلى الامتناع عن القيادة ليوم واحد أسبوعيًا، في محاولة للحد من الضغط على الموارد.
ولجأت العديد من الحكومات إلى خفض الضرائب على الوقود وزيادة الدعم لتخفيف العبء عن المواطنين، إلا أن هذه السياسات تفرض ضغوطًا إضافية على الميزانيات العامة، خاصة في الدول ذات الموارد المحدودة.
وتترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية حاسمة خلال الأيام المقبلة، حيث تعلن وزارة العمل الأمريكية بيانات التضخم لشهر مارس، والتي تعد أول مؤشر يعكس تأثيرات الأزمة على أسعار المستهلكين.
وتستعد وزارة الطاقة الأمريكية لنشر توقعاتها المحدثة لأسعار النفط والوقود، في ظل تقلبات حادة تشهدها الأسواق العالمية.
وتتجه الأنظار كذلك إلى خطاب رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، المرتقب حول آفاق الاقتصاد العالمي، والذي سيتبعه نشر تحليلات تفصيلية من الصندوق خلال الأسبوع المقبل، في محاولة لتقييم عمق الأزمة وتحديد مسارات التعامل معها.
وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة حجم الصدمة التي أحدثتها أزمة الطاقة، والتي لم تعد مجرد اضطراب مؤقت، بل تحولت إلى عامل ضغط هيكلي يهدد استقرار الاقتصاد العالمي، ويضع الدول أمام تحديات متزايدة لإدارة التداعيات الاقتصادية والمالية في مرحلة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.















