الغارديان تكشف خطة “ريفيرا غزة”: مشروع تهجير قسري يوصف بالجنوني

قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن خطة مسرّبة لتطوير ما يسمى “ريفيرا غزة” قوبلت برفض واسع، ووصفت بأنها محاولة “جنونية” لتغطية التطهير العرقي واسع النطاق ضد الفلسطينيين.

الخطة، التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الأحد، تتألف من 38 صفحة، وتكشف تصوراً مثيراً للجدل لإعادة صياغة قطاع غزة بعد تهجير سكانه قسراً، بحيث يُوضَع تحت وصاية أمريكية لعقد من الزمن على الأقل، ويعاد بناؤه كمركز سياحي وتكنولوجي ضخم يشبه مشاريع “المدن الذكية” في الخليج.

بحسب ما أوردته الغارديان، الخطة أطلق عليها اسم “صندوق إعادة بناء غزة والتسريع الاقتصادي والتحول” – أو ما يعرف اختصاراً بـ”الصندوق العظيم”. وقد شارك في إعدادها شخصيات إسرائيلية، بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتخطيط المالي من مجموعة بوسطن الاستشارية.

الفكرة الأساسية تقضي بإنشاء سلسلة مدن كبرى عالية التقنية على طول الساحل، مدعومة بالذكاء الاصطناعي والاستثمارات السياحية الضخمة، في مشروع يقدَّر بحوالي 100 مليار دولار من أموال المستثمرين، دون تمويل مباشر من الحكومة الأمريكية.

الأخطر في الوثيقة هو اقتراحها ما تسميه “النقل المؤقت لجميع سكان غزة، الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة”. وهو ما يرقى، بحسب حقوقيين، إلى تطهير عرقي بل وربما إبادة جماعية.

الخطة تقترح أن يُشجع الفلسطينيون على مغادرة القطاع “طوعاً” إلى دول أخرى، أو إلى “مناطق آمنة ومحظورة” داخل غزة نفسها ريثما يُعاد إعمارها. وفي المقابل، يحصل أصحاب الأراضي على “رمز رقمي” يعادل قيمة ممتلكاتهم، ليستخدموه في إعادة بناء حياتهم في مكان آخر.

أما من يرفضون المغادرة، فسيُحشرون في وحدات سكنية صغيرة للغاية لا تتجاوز مساحتها 323 قدماً مربعاً (30 متراً مربعاً تقريباً)، وهو حجم لا يليق حتى بمعايير مساكن اللاجئين الحاليين في القطاع.

النصوص المسربة تكشف أيضاً أن الخطة ستشمل مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خصوصاً القريبة من الحدود مع إسرائيل، لتحويلها إلى “منطقة أمنية عازلة”. وهذا يعني عملياً القضاء على ما تبقى من الزراعة الفلسطينية في غزة، التي تُعد مصدر رزق لعشرات الآلاف.

ريفيرا غزة
صورة من مشروع إعادة إعمار غزة وتسريع الاقتصاد والتحول – أو ما يُعرف بالمقترح الكبير.

مشروع “ترامبي” للربح السريع

الصحيفة لفتت إلى أن العديد من خصائص الخطة تعكس غرور الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر، مع توظيف خطاب “صفقات كبرى” تجذب مستثمرين عالميين، وتُحاكي مشروع نيوم السعودي الذي يواجه صعوبات. حتى أن الحلقة الأمنية المحيطة بغزة أُطلق عليها اسم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وفي التفاصيل، تتحدث الوثيقة عن إنشاء مجمع صناعي ضخم على أنقاض منطقة إيريز الصناعية المدمرة، يُدار على غرار نماذج الملياردير إيلون ماسك.

هذا الطرح أثار استغراب حتى وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث وصفت صحيفة هآرتس الخطة بأنها “مخطط ترامبي للثراء السريع يقوم على جرائم الحرب، الذكاء الاصطناعي، والسياحة”.

منظمات حقوق الإنسان لم تتأخر في وصف الخطة بأنها مخطط لترحيل جماعي يُسوَّق تحت غطاء التنمية.
فيليب غرانت، المدير التنفيذي لمنظمة ترايل إنترناشونال في سويسرا، قال: “هذه حالة نموذجية لجرائم دولية على نطاق لا يُصدق: تهجير قسري، هندسة ديموغرافية، وعقاب جماعي”.

وحذرت 15 منظمة حقوقية أخرى من أن الشركات المشاركة في الخطة، بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية، تُعرّض نفسها لخطر الملاحقة بتهم المساعدة والتحريض أو التواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

المحامية الأمريكية كاثرين غالاغر من مركز الحقوق الدستورية في نيويورك، أكدت أن أي شركة تتحالف مع إسرائيل أو مع إدارة ترامب في هذا المخطط “ستواجه مسؤولية قانونية خطيرة بموجب الولاية القضائية العالمية”.

وأشارت إلى أن المركز رفع بالفعل دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بشأن تمويلها لمؤسسة غزة الإنسانية، التي تورطت مواقعها في مقتل مئات الفلسطينيين وهم ينتظرون المساعدات.

النص المكتوب بخط صغير في الوثيقة يذهب أبعد من ذلك، إذ لا يُميز في السيادة بين غزة وإسرائيل ومصر، ويمنح إسرائيل “حقوقاً شاملة” وغامضة على القطاع تحت ذريعة “متطلبات الأمن”.

وهذا يُسقط عملياً أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، ويستبدلها بما تسميه الوثيقة “نظام سياسي فلسطيني” ينضم إلى اتفاقيات أبراهام.

الخبير البريطاني HA Hellyer من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وصف الخطة بأنها “جنونية”، موضحاً أن جوهرها ليس جديداً، بل يعكس إصرار إسرائيل على رفض السيادة الفلسطينية. وأضاف: “ما يسمونه رحيلًا طوعيًا ليس سوى خدعة؛ الفلسطينيون سيُجبرون على المغادرة عبر القصف أو التجويع”.

الغارديان أشارت إلى أن تسريب هذه الوثيقة جاء بعد أيام فقط من اجتماع في البيت الأبيض، حضره ترامب وصهره كوشنر إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لمناقشة “اليوم التالي لغزة”. ما يعزز الشكوك حول وجود قبول أمريكي ضمني لفكرة إعادة هندسة القطاع ديموغرافياً بعد الحرب.

الفلسطينيون رفضوا الخطة بشكل قاطع. وقال باسم نعيم، مسؤول بارز في حركة حماس: “غزة ليست للبيع، بل هي جزء من الوطن الفلسطيني الكبير”.

تقرير الغارديان يكشف عن وثيقة لا تقتصر على أوهام تنموية أو استثمارات مستقبلية، بل تكشف عن خطة سياسية – اقتصادية لتفريغ غزة من سكانها وتحويلها إلى منتجع استثماري مُسيطر عليه بالكامل من قبل إسرائيل وحلفائها.
الخطة وُصفت بأنها “خيالية”، لكن ما وراءها من أفكار ليس خيالياً على الإطلاق: محاولة لإضفاء طابع اقتصادي استثماري على جريمة تطهير عرقي قد تمتد آثارها لعقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى