من هي ديلسي رودريغيز، خليفة مادورو في فنزويلا؟

أعاد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات العسكرية الأمريكية تسليط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً في النظام الحاكم في كاراكاس: ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس التنفيذية، والمرأة التي لطالما وُصفت بأنها الذراع السياسية الأقرب لمادورو، وربما خليفته الأبرز.

وفي وقت متأخر من مساء السبت، أعلنت المحكمة العليا في فنزويلا تولي رودريغيز رئاسة الدولة بصورة مؤقتة، استناداً إلى ما وصفته بـ«الغياب القسري» للرئيس، وذلك وفقاً لأحكام الدستور التي تخوّل نائب الرئيس تولي الصلاحيات الرئاسية في حالتي الغياب المؤقت أو المطلق.

ورافق القرار القضائي خطاب سياسي حاد، إذ وصفت رئيسة الغرفة الدستورية في المحكمة، تانيا داميليو، العملية العسكرية الأمريكية التي انتهت باعتقال مادورو وزوجته بأنها «اختطاف» و«عدوان أجنبي»، مؤكدة أن تعيين رودريغيز يمنحها صلاحية قيادة «الدفاع عن سيادة البلاد» والحفاظ على «النظام الدستوري».

وجه النظام في لحظة الاختبار

قبل صدور بيان المحكمة بساعات، كانت ديلسي رودريغيز قد ظهرت في خطاب متلفز من العاصمة كاراكاس، دانت فيه التحرك الأمريكي، ووصفت اعتقال مادورو وزوجته بأنه «غير قانوني وغير شرعي»، معتبرة أن ما تتعرض له فنزويلا «عمل همجي» وانتهاك صارخ للنظام الدولي وحقوق الإنسان.

ودعت رودريغيز الفنزويليين إلى الدفاع عن بلادهم، مؤكدة أن «لا يوجد في فنزويلا سوى رئيس واحد، واسمه نيكولاس مادورو موروس»، في رسالة واضحة ترفض أي محاولة لفرض قيادة بديلة من الخارج.

وجاء هذا الموقف على النقيض تماماً من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال في مؤتمر صحفي عقب تنفيذ العملية العسكرية إن رودريغيز قد تكون الشخصية التي ستقود البلاد في مرحلة ما بعد مادورو، ملمحاً إلى أنها ستكون مستعدة للعمل «بانسجام» مع واشنطن في إطار ما وصفه بـ«استعادة فنزويلا».

وأكد ترامب أن رودريغيز كانت على تواصل مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مضيفاً أنها «ليس أمامها خيار آخر» سوى الامتثال للمطالب الأمريكية. غير أن الرد الفنزويلي جاء سريعاً، إذ عادت رودريغيز إلى الظهور عبر الإعلام الرسمي، لتشدد على أن فنزويلا «لا تسلّم ولا تستسلم، ولن تكون مستعمرة لأحد».

جذور سياسية يسارية

تنتمي ديلسي رودريغيز، البالغة من العمر 56 عاماً، إلى عائلة ذات تاريخ سياسي يساري عميق. فهي ابنة خورخي أنطونيو رودريغيز، أحد الناشطين اليساريين في ستينيات القرن الماضي، والذي توفي عام 1976 أثناء احتجازه لدى الشرطة، في قضية أثارت آنذاك صدمة واسعة بعد الكشف عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة.

وكان لمقتل والدها أثر بالغ في مسارها الشخصي والسياسي، إذ قادها إلى دراسة القانون في الجامعة المركزية في فنزويلا، ثم التخصص في قانون العمل والنقابات العمالية في فرنسا. وفي مقابلات لاحقة، ربطت رودريغيز بين تجربتها الشخصية وصعود «الثورة البوليفارية»، معتبرة أن وصول هوغو تشافيز إلى السلطة شكّل بالنسبة لها «استعادة للعدالة»، دون أن تنكر الطابع السياسي العميق لهذا الارتباط.

من تشافيز إلى مادورو

بدأت رودريغيز مسيرتها في قمة السلطة خلال عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، حين دخلت مجلس الوزراء لفترة وجيزة. غير أن صعودها الحقيقي جاء بعد تولي نيكولاس مادورو الحكم، حيث شغلت سلسلة من المناصب الحساسة، شملت وزارة الاتصالات والإعلام، ووزارة الاقتصاد، ثم وزارة الخارجية.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت نائبة للرئيس التنفيذي، مع توليها أيضاً حقيبة المحروقات، ما جعلها واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل السلطة التنفيذية.

كما ترأست الجمعية الوطنية التأسيسية التي أُنشئت عام 2017، وهي هيئة مثيرة للجدل مُنحت صلاحيات واسعة فاقت، نظرياً، صلاحيات المؤسسات الدستورية الأخرى، ما عزز دور رودريغيز كلاعبة مركزية في إعادة تشكيل النظام السياسي.

واجهة دبلوماسية مثيرة للجدل

على الصعيد الخارجي، لعبت رودريغيز دوراً محورياً في العلاقات الدولية لفنزويلا، خاصة مع دول حليفة مثل الصين وروسيا وإيران وتركيا، في وقت قلّص فيه مادورو ظهوره الخارجي.

وشهدت مسيرتها الدبلوماسية عدداً من الأزمات، أبرزها محاولتها دخول اجتماع تكتل «ميركوسور» عام 2016 بعد تعليق عضوية فنزويلا، ثم قضية «ديلسي غيت» عام 2020، عندما التقت مسؤولين إسبان في مطار مدريد رغم خضوعها لحظر دخول إلى فضاء شنغن.

وتخضع رودريغيز لعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ عام 2018، بسبب ما تصفه هذه الجهات بانتهاكات حقوق الإنسان وتقويض الديمقراطية في فنزويلا. وقد رفضت رودريغيز هذه العقوبات مراراً، وهاجمت السياسات الأمريكية والأوروبية علناً.

خليفة محتملة أم ورقة ضغط؟

في ضوء هذه الخلفية، يطرح اسم ديلسي رودريغيز اليوم بوصفه محورياً في مرحلة شديدة التعقيد تمر بها فنزويلا. غير أن تقديمها كـ«خليفة» لمادورو، أو كأداة محتملة لواشنطن في مرحلة انتقالية، يبدو متناقضاً مع مسارها السياسي وخطابها العلني.

ويرى مراقبون أن أي تحول جذري في موقع رودريغيز أو مواقفها لن يكون نتيجة توافق سياسي، بل ثمرة ضغوط استثنائية تفرضها موازين القوى على الأرض، في بلد يعيش واحدة من أكثر لحظاته السياسية حساسية منذ عقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى