ترامب يفكك منظومة العقوبات على إيران في تحول تاريخي يربك الأسواق

تشهد السياسة الأمريكية تجاه إيران تحولاً غير مسبوق مع شروع إدارة الرئيس دونالد ترامب في تفكيك أجزاء واسعة من منظومة العقوبات الاقتصادية التي بُنيت على مدى أكثر من أربعة عقود، في إطار التفاهمات الرامية إلى إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران.
وأوردت وكالة بلومبيرغ أن خطوة ترامب أحدثت ارتباكاً واسعاً لدى الحكومات والبنوك والشركات العالمية التي تحاول التكيف مع واقع جديد يجمع بين إعفاءات مؤقتة وقيود قانونية لا تزال قائمة.
ويأتي هذا التحول ضمن اتفاق أوسع تسعى الإدارة الأمريكية من خلاله إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة فتح الملاحة بصورة طبيعية في مضيق هرمز، وخفض أسعار الطاقة العالمية، وإنهاء الحرب التي باتت تواجه انتقادات متزايدة داخل الولايات المتحدة.
ورغم بدء تنفيذ عدد من الإجراءات العملية، فإن الاتفاق لا يزال يواجه تحديات ميدانية وسياسية، بعدما اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بانتهاك وقف إطلاق النار، في وقت نفذت فيه القيادة المركزية الأمريكية ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية، الأمر الذي أبقى احتمال انهيار الاتفاق قائماً.
ومع ذلك، تؤكد المعطيات أن الإدارة الأمريكية بدأت بالفعل تنفيذ خطوات غير مسبوقة لتخفيف القيود الاقتصادية المفروضة على طهران، إذ سمحت باستئناف بيع النفط والوقود الإيراني، كما تعهدت بالإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، في تحول يمثل قطيعة مع السياسة الأمريكية التي اعتمدت لعقود على عزل إيران مالياً واقتصادياً.
وبحسب التفاهم الموقع بين الرئيس ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 17 يونيو، فإن الاتفاق ينص على إزالة العقوبات الأمريكية وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه بين الجانبين، مع إصدار إعفاءات مؤقتة لمدة ستين يوماً تتيح استمرار المفاوضات الفنية الخاصة بآليات التنفيذ.
لكن تنفيذ هذه التغييرات يواجه تعقيدات كبيرة داخل القطاع المالي الأمريكي، إذ تبدي البنوك والمؤسسات المالية تحفظاً شديداً في التعامل مع أي معاملات مرتبطة بإيران، خشية التعرض لعقوبات مستقبلية أو ملاحقات قانونية إذا تغير الموقف السياسي أو انهارت التفاهمات الحالية.
ويرى خبراء في العقوبات الاقتصادية أن المؤسسات المالية اعتادت خلال العقود الماضية التعامل مع إيران باعتبارها من أكثر الأسواق خطورة من الناحية القانونية، الأمر الذي يجعلها مترددة في العودة السريعة إلى تمويل الصفقات أو تسهيل المدفوعات حتى مع وجود إعفاءات رسمية.
وفي محاولة لمعالجة هذه المخاوف، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية الرخصة العامة رقم (X)، التي تسمح باستخدام الأموال المقومة بالدولار الأمريكي في معاملات بيع النفط الإيراني، وهو تطور غير مسبوق مقارنة بالسياسة التقليدية التي كانت تحظر تقريباً أي تعامل مالي مباشر مع إيران بالدولار.
كما تدرس وزارة الخزانة إصدار توجيهات إضافية وخطابات تفسيرية تمنح الشركات والبنوك ضمانات قانونية تساعدها على تنفيذ العمليات التجارية دون خشية التعرض للمساءلة مستقبلاً، خاصة مع مطالبة قطاع الطاقة الأمريكي بتوضيحات أكثر تفصيلاً حول كيفية تطبيق الإعفاءات الجديدة.
وفي المقابل، لا يزال داخل الإدارة الأمريكية تيار يدعو إلى فرض قيود إضافية على الأموال الإيرانية، من خلال إنشاء حسابات ضمان تخضع لرقابة أمريكية، بحيث لا تتمكن طهران من استخدام عائدات النفط إلا في أغراض محددة، مثل شراء المنتجات الزراعية أو السلع الإنسانية، بهدف منع توجيه الأموال إلى الجماعات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة.
وكان الرئيس ترامب قد لمح علناً إلى إمكانية إخضاع الأموال الإيرانية لهذه الآلية، إلا أن طهران رفضت الفكرة وسخرت منها، مؤكدة أنها لم تكن جزءاً من مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين.
ويشير مراقبون إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول إيجاد توازن بين تقديم حوافز اقتصادية تشجع إيران على الالتزام بالاتفاق، وبين طمأنة منتقديها داخل الكونغرس الذين يعارضون أي تخفيف واسع للعقوبات دون الحصول على ضمانات إضافية بشأن البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران.
كما تواجه الإدارة تحديات قانونية داخلية، إذ إن منظومة العقوبات الأمريكية على إيران تراكمت عبر عشرات القوانين والقرارات التنفيذية منذ عام 1979، وهو ما يجعل إلغاؤها بصورة دائمة عملية معقدة تتطلب في بعض الحالات موافقة الكونغرس.
ويبرز من بين هذه العقبات قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني الصادر عام 2015، والذي يمنح الكونغرس حق مراجعة أي اتفاق يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وهو ما قد يفتح الباب أمام معارك سياسية إذا اعتبر المشرعون أن مذكرة التفاهم الحالية تدخل ضمن نطاق هذا القانون.
كما يفرض قانون آخر صدر عام 2012 على الشركات المدرجة في البورصات الأمريكية الإفصاح عن أي أنشطة تجارية مرتبطة بإيران، وهو ما قد يجعل العديد من المؤسسات الاقتصادية مترددة في العودة إلى السوق الإيرانية، خشية التعرض لاحقاً لتحقيقات أو ضغوط سياسية إذا تعثرت عملية تنفيذ الاتفاق.
ويرى مختصون في السياسات الاقتصادية أن الرخصة العامة الجديدة تمثل أكبر تخفيف للعقوبات الأمريكية على إيران منذ سنوات طويلة، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على إعفاءات مؤقتة يمكن إلغاؤها بقرار سياسي، وهو ما يبقي حالة عدم اليقين مسيطرة على الأسواق.
وفي ظل استمرار المفاوضات بين واشنطن وطهران، تبدو الإدارة الأمريكية أمام اختبار معقد يتمثل في تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع اقتصادي مستقر، وسط تحديات قانونية ومالية وسياسية قد تحدد مستقبل واحدة من أكبر عمليات إعادة صياغة نظام العقوبات الأمريكي منذ عقود.















