تباين حاد في تأثير التوتر الإقليمي على سوق العمل في دول الخليج

يمر سوق العمل في دول الخليج بمرحلة من التباين الحاد، مع استمرار تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في التأثير على قطاعات رئيسية، لا سيما السياحة والطيران، مقابل صمود نسبي في مجالات التكنولوجيا والرعاية الصحية والخدمات المالية.
ووفق بيانات حديثة، فقد أدى التصعيد العسكري الذي بدأ في 28 فبراير إلى اضطرابات مباشرة في سوق العمل، حيث تراجعت الوظائف المرتبطة بالسفر والضيافة نتيجة انخفاض حركة السياحة وتعطل سلاسل الإمداد، وهو ما انعكس بشكل سريع على قطاعات الطيران والخدمات اللوجستية والأغذية والمشروبات.
وأكد مختصون في التوظيف أن التأثير كان متفاوتاً بين القطاعات، إذ شهدت الوظائف المرتبطة بالسياحة أكبر قدر من الضغط، بينما حافظت القطاعات المرتبطة بالأولويات الاستراتيجية مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية على مستويات توظيف مستقرة نسبياً.
وفي هذا السياق، أوضح خبراء أن الشركات لم تلجأ إلى تسريحات جماعية واسعة، بل اتبعت نهجاً انتقائياً في تقليص الوظائف، ركّز بشكل أساسي على الأدوار التشغيلية والمتوسطة، مع الاعتماد على إجراءات مؤقتة مثل تقليص ساعات العمل أو الإجازات غير المدفوعة بدلاً من إنهاء العقود بشكل دائم.
كما أظهرت البيانات أن سوق العمل في الخليج ظل مدعوماً بعوامل هيكلية، أبرزها الإنفاق الحكومي القوي واستمرار برامج التنويع الاقتصادي، ما ساهم في الحد من تداعيات الأزمة ومنع تحولها إلى موجة بطالة واسعة.
في المقابل، تشير مؤشرات التوظيف إلى استمرار الطلب القوي على الكفاءات المتخصصة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والهندسة، وإدارة المشاريع، إلى جانب قطاع الرعاية الصحية، وهو ما يعكس توجه دول الخليج نحو بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار.
وسجلت المنطقة نمواً طفيفاً في عدد الوظائف بنسبة 1% خلال الربع الأول من العام، رغم التراجع الملحوظ في شهر مارس، ما يعكس تأثير الحرب بشكل مباشر على وتيرة التوظيف، لكنه لا يشير إلى انهيار شامل في السوق.
ويرى محللون أن تأثير الأزمة سيظل مؤقتاً، مع توقعات بعودة النشاط تدريجياً بعد تثبيت وقف إطلاق النار، رغم أن تعافي قطاع السياحة قد يستغرق وقتاً أطول، في ظل تردد المسافرين واستمرار حالة عدم اليقين.
أما على صعيد الرواتب، فتشير التوقعات إلى زيادات محدودة تتراوح بين 2% و3% خلال العام، مع احتمال تسجيل زيادات أعلى تصل إلى 10% في القطاعات التي تعاني نقصاً حاداً في الكفاءات، مثل التكنولوجيا والرعاية الصحية، في حين يُتوقع تباطؤ نمو الأجور في القطاعات الأكثر تضرراً مثل الضيافة والعقارات.
ويبرز عامل الذكاء الاصطناعي كأحد المحركات الرئيسية للتحول في سوق العمل، حيث تجاوز معدل استخدامه في بيئات العمل 80% في بعض دول الخليج، ما أدى إلى إعادة تشكيل الوظائف بدلاً من إلغائها، مع زيادة الطلب على المهارات المتقدمة.
وتستثمر الحكومات والشركات الكبرى بشكل مكثف في البنية التحتية الرقمية ومنصات الذكاء الاصطناعي، ما يعزز الطلب على المتخصصين في هذا المجال، رغم التحديات المرتبطة بنقص الكفاءات المؤهلة لقيادة هذا التحول.
وبحسب خبراء يعكس سوق العمل الخليجي حالة من التوازن بين الضغوط قصيرة الأجل الناتجة عن الحرب، والمرونة الاقتصادية طويلة الأجل، حيث تتراجع بعض القطاعات بشكل مؤقت، بينما تواصل قطاعات أخرى النمو مدفوعة برؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز الابتكار والتنويع الاقتصادي، ما يجعل مسار التعافي مرهوناً بسرعة استقرار الأوضاع الإقليمية.















