سباق انتخابي حاسم في بريطانيا يهدد مقعدًا تاريخيًا لحزب العمال

تشهد دائرة غورتون ودينتون في مانشستر الكبرى سباقًا انتخابيًا فرعيًا شديد التنافس بين حزب العمال البريطاني وحزب الإصلاح في المملكة المتحدة وحزب الخضر في إنجلترا وويلز، في انتخابات تُعد اختبارًا سياسيًا مهمًا قبل موعد الاقتراع في 26 فبراير.

وتأتي هذه المعركة في وقت حساس لرئيس الوزراء كير ستارمر، وسط ضغوط سياسية واهتزاز في شعبية الحزب الحاكم، ما يجعل خسارة هذا المقعد التاريخي ضربة محتملة لقيادته.

مقر غامض وحملة منظمة لحزب الإصلاح

اتخذ حزب الإصلاح مقرًا لحملته داخل مستودع صناعي في منطقة هادئة بمدينة دينتون، بعيدًا عن الأضواء. ويقود الحملة زعيم الحزب نايجل فاراج إلى جانب مرشحه المحلي مات غودوين، الأكاديمي السابق والمذيع الحالي.

ورغم التكتم، بدا المقر نشطًا بفريق صغير يعمل باحتراف، فيما انتشرت رموز الحزب وأعلام المملكة المتحدة في المكان، في رسالة واضحة حول توجهه السياسي القومي.

وأكدت النائبة الإصلاحية سارة بوتشين أن الانتخابات تمثل فرصة للحزب لملء الفراغ الذي خلّفه تراجع الحزبين التقليديين، مشيرة إلى أن الناخبين يشعرون بأنهم «مهمّشون من قبل نخب لندن».

دائرة منقسمة اجتماعيًا وسياسيًا

تنقسم الدائرة ديموغرافيًا بين غورتون الأكثر تنوعًا عرقيًا ودينتون ذات الأغلبية البيضاء من الطبقة العاملة. ورغم تاريخها الطويل في التصويت لصالح حزب العمال منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فإن حزب الإصلاح حقق تقدمًا ملحوظًا بين الناخبين البيض في السنوات الأخيرة.

وجاءت الانتخابات عقب استقالة النائب العمالي لأسباب صحية، فيما مُنع عمدة مانشستر الكبرى من الترشح، ما أدى إلى اختيار مرشحة محلية أقل شهرة لتمثيل الحزب.

وتضم الدائرة نحو 76 ألف ناخب، وتُعد من المناطق الأكثر فقرًا في إنجلترا، كما يتميز سكانها بتنوع كبير؛ إذ ينتمي نحو 44% منهم إلى أقليات عرقية، وأكثر من ربع السكان مسلمون.

خطاب مثير للجدل لحزب الإصلاح

أثارت تصريحات المرشح الإصلاحي غودوين حول المسلمين والهجرة جدلًا واسعًا، إذ اعتبر أن بعض الآراء داخل المجتمع المسلم «تتعارض مع القيم البريطانية»، وهو ما دافعت عنه قيادات الحزب باعتباره دعوة للاندماج لا للإقصاء.

كما ركزت حملة الحزب على قضايا تكلفة المعيشة والهجرة، وهي ملفات تلقى صدىً لدى شرائح من الناخبين، خاصة في المناطق ذات الدخل المنخفض.

في المقابل، حقق حزب الخضر حضورًا ملحوظًا، خصوصًا في الأحياء المتنوعة عرقيًا مثل ليفينشولم، حيث انتشرت لافتاته بشكل واسع.

تقود الحملة المرشحة هانا سبنسر، العاملة في مجال البناء، التي تقدم نفسها كصوت للطبقة العاملة. وتركز حملتها على خفض فواتير الطاقة، وضبط الإيجارات، وتحسين ظروف المستأجرين.

وانتقدت سبنسر تصريحات منافسها الإصلاحي، مؤكدة أن سكان الدائرة — بمن فيهم المسلمون — يشتركون في القيم البريطانية نفسها القائمة على التضامن والعمل الجاد.

كما شاركت النائبة الخضراء سيان بيري في الحملة، مهاجمة خطاب حزب الإصلاح ومواقفه، ومؤكدة أن الحزب يعتمد على «تأجيج الانقسام» لكسب الأصوات.

غزة والسياسة الخارجية ضمن اهتمامات الناخبين

برزت قضية الحرب في غزة كأحد الموضوعات المؤثرة في مواقف بعض الناخبين، خصوصًا داخل المجتمعات المسلمة، حيث انتقد ناشطون استمرار تعاون حكومة العمال مع إسرائيل.

ويرى حزب الخضر أن موقفه الأكثر تشددًا تجاه الحرب يمنحه فرصة لاجتذاب ناخبين تقليديين من حزب العمال يشعرون بخيبة أمل.

رغم التحديات، لا يزال حزب العمال يتمتع بقاعدة دعم واسعة، خاصة بين الناخبين الذين اعتادوا التصويت له تاريخيًا أو لا يتابعون السياسة عن كثب.

وتؤكد حملته أن الحزب هو الوحيد القادر على هزيمة حزب الإصلاح ومنع صعود اليمين الشعبوي، في حين يشير مراقبون إلى أن النتيجة قد تكون متقاربة للغاية.

اختبار لنهاية نظام الحزبين

تعكس هذه الانتخابات تحولات أعمق في المشهد السياسي البريطاني، مع صعود قوى جديدة وتراجع هيمنة الحزبين الكبيرين. أما حزب المحافظين، الذي حكم البلاد 14 عامًا حتى 2024، فيبدو شبه غائب عن المنافسة في هذه الدائرة.

وبينما يخوض المرشحون حملات مكثفة على الأرض، تبدو النتيجة مفتوحة على كل الاحتمالات، في اقتراع قد يحدد ملامح السياسة البريطانية في المرحلة المقبلة، ويكشف ما إذا كان نظام الحزبين التقليدي قد دخل فعلاً مرحلة الأفول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى