ميزانية ترامب: عسكرة الدولة الأمريكية مقابل تقليص البرامج الاجتماعية

تكشف ميزانية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجديدة عن تحوّل جذري في أولويات الإدارة، يقوم على تعزيز غير مسبوق للإنفاق العسكري مقابل تخفيضات واسعة في البرامج الاجتماعية والخدمات الحكومية، في خطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو إعادة صياغة دور الدولة الأمريكية.

وتُظهر الأرقام المقترحة زيادة ضخمة في ميزانية وزارة الدفاع تصل إلى 440.9 مليار دولار، وهو ارتفاع يفوق بكثير أي زيادة في باقي الوزارات، ما يجعل البنتاغون المستفيد الأكبر من إعادة توزيع الموارد الحكومية.

في المقابل، تتعرض معظم الوزارات المدنية لتخفيضات ملحوظة، تشمل وزارة الخارجية والصحة والخدمات الإنسانية والإسكان والزراعة والتعليم، في مؤشر على توجه الإدارة لتقليص الإنفاق الداخلي لصالح الأولويات العسكرية.

وتعكس هذه الميزانية، التي تُقدّر بنحو 1.5 تريليون دولار للبنتاغون، إضافة إلى طلب إضافي بقيمة 200 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب مع إيران، انتقال الولايات المتحدة إلى نمط إنفاق يشبه اقتصاد الحرب، في ظل تصاعد التوترات الدولية.

ويؤكد ترامب هذا التوجه بشكل صريح، حيث أشار إلى أن الولايات المتحدة “تخوض حروبًا” ولا يمكنها الاستمرار في تمويل برامج الرعاية الاجتماعية بنفس المستوى، داعيًا إلى إعطاء الأولوية للحماية العسكرية على حساب الخدمات الأخرى.

وتتضمن الخطة زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 42%، وهي نسبة تفوق مستويات الزيادة خلال حقبة الرئيس رونالد ريغان، وتقترب من معدلات الإنفاق التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وفق ما تشير إليه تقديرات البيت الأبيض.

في المقابل، سيتم خفض الإنفاق غير الدفاعي بنسبة 10%، أي ما يعادل 73 مليار دولار، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل الصحة العامة والبحث العلمي والإسكان والتعليم.

وتشمل التخفيضات الكبرى تقليص ميزانية وكالة حماية البيئة بنسبة 52%، والمؤسسة الوطنية للعلوم بنسبة 55%، وإدارة الأعمال الصغيرة بنسبة 67%، ما يعكس إعادة توجيه شاملة للإنفاق الحكومي.

في المقابل، تحظى بعض الجهات بزيادات محدودة، مثل وزارة شؤون المحاربين القدامى ووزارة العدل، حيث تبرر الإدارة هذه الزيادات بالحاجة إلى تعزيز الأمن الداخلي وملاحقة الجرائم.

وتستند الإدارة الأمريكية في تبرير هذه التخفيضات إلى خطاب يركز على “مكافحة الهدر والاحتيال”، معتبرة أن تقليص البرامج الفيدرالية وإعادة بعض المسؤوليات إلى الولايات سيساهم في تحقيق توازن مالي أكبر.

في هذا السياق، كلّف ترامب نائبه جيه دي فانس بملف “مكافحة الاحتيال”، في خطوة تهدف إلى استعادة أموال يُزعم أنها مهدرة، رغم تشكيك محللين في واقعية هذه التقديرات، استنادًا إلى تجارب سابقة لم تحقق النتائج المعلنة.

وتأتي هذه التحولات في وقت يواجه فيه ترامب تراجعًا في شعبيته، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب مع إيران، ما يضع سياساته الاقتصادية والعسكرية تحت ضغط متزايد من الرأي العام.

وتثير هذه الميزانية تحديات سياسية داخلية، إذ يعتمد جزء كبير من قاعدة ترامب الانتخابية، بما في ذلك الطبقة العاملة وكبار السن، على البرامج الاجتماعية التي تستهدفها التخفيضات، ما قد يخلق تناقضًا بين السياسات الحكومية والمصالح الانتخابية.

ويواجه الجمهوريون في الكونغرس معضلة واضحة، تتمثل في الاختيار بين دعم ميزانية تعزز الإنفاق العسكري على حساب برامج اجتماعية حيوية، أو معارضة توجهات الرئيس، وهو ما قد يهدد تماسك الحزب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى