صحيفة أمريكية: محمد بن سلمان يقود تحوّلاً صاعقاً في السعودية بيد حديدية

استعرضت صحيفة نيويورك بوست الأمريكية، التحولات الجذرية التي يحدثها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية، معتبرة أنه “يقود تحوّلاً صاعقاً بيد حديدية”.

وقالت الصحيفة إنه في قلب التحولات العاصفة التي تشهدها السعودية خلال العقد الأخير، يبرز محمد بن سلمان، البالغ من العمر 39 عاماً، كلاعب محوري لا يكتفي بتغيير شكل المملكة، بل يعيد هندسة مجتمعها واقتصادها وحتى صورتها أمام العالم، بسرعة مذهلة، وبأسلوب لا يخلو من القسوة والحسم.

وذكرت أنه قد يبدو غريباً أن تُفتَح أبواب فهم “السعودية الجديدة” عبر بوابة غير مألوفة: ألعاب الفيديو. فولي العهد السعودي المعروف بلقب MBS، لم يتخلَّ حتى اليوم عن هوايته المفضلة رغم انشغالات الحكم.

بحسب الصحيفة يمضي الأمير محمد بن سلمان أوقاتاً صباحية وهو يلعب ألعاباً شهيرة مثل Final Fantasy XVI، حيث تدور القصة حول شاب وريث للعرش يناضل لاستعادة مملكته.

وليس تفصيلاً تافهاً أن يستلهم ولي العهد السعودي فلسفة القيادة من عالم الألعاب؛ إذ يعتبرها تدريباً للعقل على اتخاذ القرارات المعقدة، وهو ما ينعكس بوضوح على طريقته في إدارة المملكة.

تغيير لا يشبه الماضي

منذ أن أصبح والده، الملك سلمان، على رأس الحكم عام 2015، شرع محمد بن سلمان في إعادة تشكيل هيكل السلطة بسرعة غير معهودة.

فبينما كانت السعودية تتقدم خطوات محسوبة في التغيير، دخل ولي العهد في سباق مع الزمن، مُقصياً منافسين كباراً من مناصبهم، ومركزاً الصلاحيات بين يديه.

وفي واقعة شهيرة، جمع مستشاريه يوم جنازة الملك عبد الله وأمرهم بإعداد خطط لإعادة هيكلة الحكومة خلال ليلة واحدة، في مشهد يلخص نهجه القائم على الحسم والسرعة.

لم تمر سوى أشهر قليلة حتى أزاح ابن عمه الأقوى حينها، الأمير محمد بن نايف، من ولاية العهد، في خطوة اعتُبرت زلزالاً سياسياً داخل العائلة الحاكمة، ومهّدت الطريق أمام “تطهير ملكي” بلغ ذروته في نوفمبر 2017، حين تحوّل فندق الريتز كارلتون الفاخر في الرياض إلى معتقل لأمراء ومسؤولين ورجال أعمال بتهم الفساد.

ترددت تقديرات بأن بعض المحتجزين دفعوا مبالغ هائلة وصلت إلى مليار دولار للإفراج عنهم.

قضية خاشقجي… الصدمة الأكبر

لكن نفوذ ولي العهد السعودي لم يتجسد فقط في مشاهد الاعتقالات. فقد اهتزت صورة المملكة عالمياً في أكتوبر 2018، بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.

ورغم نفي الأمير أي دور شخصي له في الحادثة، إلا أن كثيرين في الغرب والسعودية على حد سواء اعتبروا أن قبضة الأمير المحكمة على مؤسسات الدولة تجعل من المستبعد تنفيذ عملية بهذا الحجم دون علمه.

ومع ذلك، ظلت شرائح واسعة في الداخل ترى أن ما حققه الأمير من إصلاحات، خصوصاً للشباب والنساء، يجعلهم يتجنبون التركيز على هذه الحادثة التي ظلت تلاحق سمعته خارجياً.

تحوّلات اجتماعية واقتصادية كاسحة

أكبر ما يلفت الأنظار في تجربة محمد بن سلمان هو حجم التغيير الاجتماعي الذي أحدثه في مجتمع كان حتى وقت قريب شديد المحافظة.

وقد اختفت الشرطة الدينية التي كانت تجوب الشوارع لفرض سلوك الناس، وحلت محلها مظاهر حياة ترفيهية غير مسبوقة: حفلات موسيقية عالمية، مباريات ملاكمة، مطاعم فاخرة، وأجواء اجتماعية أكثر انفتاحاً.

والنساء أصبحن يتحركن بحرية أكبر، يرتدن المقاهي والمطاعم بلا مرافق ذكر، ويسافرن للخارج دون إذن ولي الأمر، في مشهد بدا قبل سنوات فقط أقرب إلى المستحيل.

لكن خلف هذه الصورة المنفتحة، يظل هامش المعارضة ضيقاً للغاية. مئات من السعوديين، بينهم مثقفون وناشطون، وجدوا أنفسهم خلف القضبان بسبب آراء اعتُبرت “مزعجة” للنظام، أو بسبب نشاطهم الاجتماعي.

ويصف مراقبون سياسة ولي العهد بأنها مزيج من الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي، مع قمع سياسي لا هوادة فيه.

اقتصاد ما بعد النفط

رؤية محمد بن سلمان تتجاوز حدود الإصلاح الاجتماعي. فهو عازم على كسر اعتماد بلاده التاريخي على النفط، عبر إطلاق “رؤية 2030”، وهي خطة شاملة لبناء اقتصاد متنوع يعتمد على السياحة، والترفيه، والخدمات اللوجستية، والتقنية الحديثة.

من أبرز مشروعاته مدينة “نيوم” العملاقة التي يُروج لها كمدينة مستقبلية تضم شواطئ تتوهج في الظلام وأقماراً اصطناعية تضيء السماء ليلاً.

يرى ولي العهد أن التأخر في التغيير كلف بلاده فرصاً تاريخية، ولهذا يكرر عبارته الشهيرة: “إذا لم تتميز، فأنت تختفي ببساطة.” ولا يخفي الأمير استعجاله لإحداث الفارق في حياة السعوديين قبل أن يفوته قطار الزمن.

“شعبية كبيرة رغم القمع”

الغريب في ظاهرة محمد بن سلمان هو تلاقي صورتين متناقضتين: زعيم إصلاحي يحرر المجتمع من قيود صارمة، وحاكم لا يتسامح مع أي صوت معارض.

ومع ذلك، تحظى إصلاحاته بدعم شعبي واسع، خاصة بين الشباب الذين يرون فيه منقذاً انتشلهم من حياة الرتابة والعزلة إلى حياة أكثر تشابهاً مع أقرانهم في أنحاء العالم.

في النهاية، محمد بن سلمان أمير يعيد رسم خريطة السعودية بمزيج من الجرأة والشراسة، لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ويتدخل فيها، حتى في أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية.

وبين صورة الإصلاحي المتوهج وحاكم القبضة الحديدية، تتشكل ملامح المملكة التي يريدها: دولة حديثة، جريئة، لكنها لا تسمح بغير صوت واحد يعلو فوق صوت الأمير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى