صندوق الاستثمارات العامة السعودي يبيع حصصه في ميتا وعلي بابا وشركات دولية كبرى

كشفت بيانات حديثة أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي – أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم بقيمة تقارب التريليون دولار – تخلّى خلال الربع الثاني من عام 2025 عن حصصه في عدد من الشركات العالمية البارزة. شملت القائمة ميتا بلاتفورمز الأميركية، وعلي بابا الصينية، وباي بال، وفيديكس، إضافة إلى إن. يو هولدنغز وشوبيفاي، مع خفض حاد لحصته في بينترست بنسبة 94.9% لتصل إلى نحو 210 آلاف سهم فقط.

هذه الخطوة تأتي في وقت يشهد فيه الصندوق مراجعات محاسبية مؤلمة لمشاريعه العملاقة في الداخل، بعد شطب 8 مليارات دولار من قيمتها، ما يعكس ضغطاً مزدوجاً بين التزامات الاستثمار المحلي والخارجي، وبين الطموحات المعلنة والحقائق الاقتصادية.

أسباب التخارج من الاستثمارات الدولية

رغم أن الصندوق لم يعلن رسمياً مبررات هذه الخطوة، فإن القراءة الاقتصادية تشير إلى عدة دوافع محتملة:

إعادة توجيه السيولة: قد يكون الهدف توفير سيولة فورية لتمويل المشاريع المحلية الكبرى، خاصة بعد المراجعة الأخيرة التي أظهرت انخفاض قيمة الأصول العملاقة بنسبة 12%، مثل مشروع نيوم، الذي يواجه تحديات زمنية ومالية.

تحوّل في الأولويات الاستثمارية: التخارج من شركات التكنولوجيا والخدمات اللوجستية قد يعكس ميلاً نحو القطاعات المرتبطة مباشرة بالأجندة الوطنية، مثل البنية التحتية والسياحة والرياضة، استعداداً لاستضافة أحداث عالمية مثل كأس العالم 2034.

تقييم المخاطر: أسواق التكنولوجيا العالمية تمر بتقلبات حادة، وتباطؤ في نمو بعض الشركات الكبرى، ما قد يدفع الصندوق إلى التحوط من الانكشاف الزائد على هذه القطاعات.

الاستفادة من الأرباح الرأسمالية: إذا كانت هذه الحصص قد حققت مكاسب ملحوظة منذ الاستحواذ عليها، فقد يكون التخارج جزءاً من استراتيجية جني الأرباح في ذروة السوق.

الارتباط بالمشاريع العملاقة المحلية

تزامن إعلان التخارجات الخارجية مع كشف الصندوق في تقريره السنوي عن شطب 8 مليارات دولار من قيمة مشاريعه العملاقة، أبرزها نيوم ومشاريع البحر الأحمر.
هذا التراجع في التقييم يعكس:

تجاوزات في التكاليف: بسبب ارتفاع أسعار المواد، وتغير تصميم المشاريع، وتضخم الإنفاق.

تأخيرات زمنية: إرجاء مراحل الإنشاء أو تقليص نطاقها لصالح أولويات أخرى.

تقلبات السوق: تغيرات في الطلب العالمي على السياحة أو الاستثمار في العقارات الفاخرة.

وبحسب مصادر لرويترز، فقد تم تقليص بعض خطط نيوم لصالح تسريع مشاريع البنية التحتية الضرورية لاستضافة الأحداث الرياضية، وهو ما يتطلب تمويلاً ضخماً خلال السنوات القليلة المقبلة.

البعد الاستراتيجي للتحركات

من منظور إدارة الأصول السيادية، التخارج من استثمارات خارجية كبرى بالتزامن مع إعادة تقييم المشاريع المحلية قد يشير إلى تحوّل تكتيكي نحو:

التركيز على الداخل: استثمار أكبر في القطاعات المحلية لرفع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030.

إدارة المخاطر: تقليص التعرض لأسواق الأسهم الأجنبية التي قد تتأثر بعوامل جيوسياسية واقتصادية خارج سيطرة الصندوق.

تعزيز المرونة المالية: الاحتفاظ بسيولة كافية لمواجهة أي مستجدات في تمويل المشاريع أو التزامات الدولة.

ردود فعل الخبراء

مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، وصفت إعادة التقييم بأنها “خطوة إيجابية” في ظل ضعف عائدات النفط، وفوز السعودية باستضافة حدث رياضي عالمي. وقالت: “برنامج استثماري أكثر استهدافاً وبأطر زمنية أطول هو أمر ضروري لاحتواء سوء تخصيص الموارد وضغوط تكاليف المشاريع”.

أما خبراء أسواق المال، فيرون أن التخارجات قد تعكس أيضاً إعادة موازنة المحفظة الاستثمارية نحو أصول أقل تقلباً، وربما نحو استثمارات ذات عوائد ثابتة أو شراكات استراتيجية طويلة الأمد.

التحديات التي تواجه الصندوق

رغم الحجم الضخم لأصول الصندوق، إلا أن تحقيق التوازن بين طموحاته الاستثمارية والعوائد الفعلية ليس بالأمر السهل، خاصة في ظل:

تذبذب أسعار النفط الذي يبقى مؤثراً على قدرة المملكة في ضخ رؤوس أموال جديدة للصندوق.

ارتفاع تكاليف التمويل العالمي بفعل معدلات الفائدة المرتفعة.

ضغوط زمنية لإنجاز المشاريع الكبرى قبل مواعيد الاستحقاقات الدولية مثل كأس العالم 2034.

التنافسية العالمية في جذب الاستثمارات والسياح، وسط منافسة من دول خليجية أخرى مثل الإمارات وقطر.

الانعكاسات المحتملة

الخطوة قد تحمل آثاراً مزدوجة:

إيجابياً: توفير سيولة فورية، خفض الانكشاف على المخاطر الدولية، وتعزيز الاستثمارات المحلية.

سلبياً: قد يقرأها بعض المستثمرين الدوليين كإشارة إلى تراجع الثقة في أسواق معينة أو في قدرة الصندوق على الاحتفاظ بمراكز استراتيجية طويلة الأمد.

كما أن التخارج من شركات تكنولوجيا عالمية قد يُنظر إليه كفقدان فرصة للاستفادة من النمو المستقبلي إذا ما تعافت هذه القطاعات بقوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى