نيويورك تايمز: ألماسة جورجينا تكشف تناقضات السعودية بين القانون والواقع

لم يكن مفاجئًا أن يُعلن النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو خطوبته لشريكته الإسبانية جورجينا رودريغيز عبر صورةٍ لماسة بحجم زيتونة “جامبو”، لكن المدهش أن هذه الصورة لم تُلتقط في باريس أو دبي أو إحدى جزر المحيط، بل في الرياض، قلب المملكة العربية السعودية المحافظة.

الحدث الذي أثار اهتمام الملايين من متابعي الثنائي حول العالم، لم يكن مجرد لحظة رومانسية بقدر ما كان مشهدًا كاشفًا لمدى التحولات – والقيود – التي يعيشها المجتمع السعودي في عهد ولي العهد محمد بن سلمان.

قبل سنوات قليلة، كانت الشرطة الدينية في شوارع الرياض تُطارد الأزواج غير المتزوجين، وتصرخ في وجه النساء لإجبارهن على تغطية شعرهن، فيما كان الجنس خارج الزواج جريمة يعاقب عليها بالجلد والسجن.

أما اليوم، فيعيش أحد أكثر الرياضيين شهرة في العالم مع شريكته وأطفاله في العاصمة السعودية منذ عام 2022 دون أن يتعرض لمساءلة، متحديًا بذلك حدود التغيير الاجتماعي السريع الذي تقوده القيادة السعودية.

الإعلان عن خطوبة رونالدو وجورجينا، وإن قوبل بالتهاني من المعجبين، سلّط الضوء أيضًا على حقيقة أن الزوجين لم يتزوجا بعد، وأن حياتهما المشتركة داخل المملكة تبدو وكأنها استثناء صريح للقاعدة.

ازدواجية المعايير

التحولات الاجتماعية في السعودية تبدو غير مكتملة ومليئة بالتناقضات. فبينما تظهر رودريغيز على سجادة حمراء وتشارك متابعيها صورًا بملابس السباحة من داخل المملكة، تواجه نساء أخريات واقعًا أكثر قسوة: من دون عقد زواج، لا يستطعن الحصول على أوراق قانونية لأطفالهن، أو حتى حق الإقامة والرعاية الطبية.

هذا التناقض يعكس إحدى أبرز سمات النهج السعودي الجديد: غياب قانون عقوبات مكتوب، وترك مساحة واسعة لتفسيرات متباينة للشريعة من قبل القضاة، وهو ما يمنح السلطات هامشًا مرنًا لتطبيق القوانين بشكل انتقائي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصيات مؤثرة عالميًا مثل رونالدو.

منذ صعوده إلى السلطة عام 2015، أطلق ولي العهد محمد بن سلمان سلسلة إصلاحات غيّرت ملامح المجتمع السعودي: السماح للنساء بالقيادة، فتح دور السينما، تنظيم الحفلات الغنائية، واستقطاب الفعاليات الرياضية العالمية. لكن في الوقت ذاته، ترافق هذا الانفتاح مع تصاعد القمع السياسي واعتقال ناشطين وناشطات لمجرد التعبير عن آرائهم.

هنا تحديدًا تبرز قصة رونالدو ورودريغيز كصورة مزدوجة: وجهٌ مُشرق يُسوّق لانفتاح اجتماعي، ووجهٌ آخر يخفي حقيقة أن هذا الانفتاح ليس متاحًا للجميع.

وجود رونالدو في السعودية لم يكن مجرد صفقة رياضية ضخمة مع نادي النصر، بل جزء من مشروع سياسي واقتصادي أوسع تسعى المملكة من خلاله إلى إعادة تشكيل صورتها عالميًا عبر الرياضة والترفيه.

اللاعب الأكثر متابعة على إنستغرام بات أداة دبلوماسية ناعمة، يُظهر حياة مرفهة في بلد يسعى إلى جذب الاستثمارات والسياحة، حتى وإن ظلّت حدوده الاجتماعية والقانونية غامضة.

في المقابل، لعبت رودريغيز دورًا رئيسيًا في هذا الترويج: من حفلات السجادة الحمراء إلى الظهور على نتفليكس، صارت رمزًا لأنماط حياة لم يكن يُسمح بوجودها علنًا في السعودية قبل سنوات قليلة.

خطوبة رونالدو في الرياض ليست مجرد حدث شخصي بين نجم عالمي وشريكته، بل اختبار حقيقي لقدرة السعودية على الموازنة بين الانفتاح المعلن والقيود الموروثة.

وبينما يُحتفى بهذا المشهد كرمز للتغيير، فإنه يفضح أيضًا حدود هذا التغيير، ويكشف ازدواجية المعايير التي تسمح ببعض الحريات للأجانب النجوم، بينما تبقى غالبية السعوديين والسعوديات عالقين بين الشريعة والتقاليد، في دولة تسعى جاهدة لإعادة تعريف نفسها أمام العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى