فايننشال تايمز: كيف انهار التحالف السعودي الإماراتي؟

تقول صحيفة فايننشال تايمز إن حادثة رسو شحنة عسكرية سرية في أحد الموانئ اليمنية شكلت اللحظة التي خرجت فيها إلى العلن توترات عميقة ظلت كامنة لسنوات بين السعودية والإمارات، حليفين كان ينظر إليهما طويلًا بوصفهما عماد السياسة الخليجية.
وبحسب الصحيفة، حاولت الرياض لأسابيع احتواء الأزمة دبلوماسيًا، مطالبة فصيلًا يمنيًا مدعومًا من أبوظبي بالانسحاب من مناطق حدودية سيطر عليها في ديسمبر.
غير أن السعودية اتهمت الإمارات لاحقًا بشحن أسلحة ومركبات مدرعة إلى «المجلس الانتقالي الجنوبي» الانفصالي، ما فجّر الخلاف بشكل غير مسبوق.
وردت الرياض بقصف الشحنة العسكرية، ووجهت اتهامًا علنيًا لأبوظبي بدعم الهجوم، قبل أن تدعوها إلى سحب قواتها من اليمن.
وفي حين نفت الإمارات تلك الاتهامات، أعلنت سحب قواتها المتبقية في محاولة لاحتواء التصعيد، في خطوة أنهت عمليًا مرحلة من التنسيق العسكري الوثيق بين البلدين.
وترى فايننشال تايمز أن خطورة هذه المواجهة لا تكمن في تداعياتها اليمنية فحسب، بل في أنها تضع اثنين من أبرز حلفاء الولايات المتحدة وشريكين اقتصاديين رئيسيين في المنطقة، في مواجهة مباشرة بين قيادتيهما: ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد.
وينقل التقرير عن دبلوماسيين وخبراء تحذيرات من أن هذا الانقسام يعرقل الجهود الإقليمية لمعالجة أزمات متعددة تمتد من اليمن وغزة إلى سوريا ولبنان والسودان، ويجعل تسوياتها أكثر تعقيدًا في ظل تضارب المصالح بين الرياض وأبوظبي.
وتستعيد الصحيفة جذور العلاقة بين الرجلين، مشيرة إلى أن الإمارات كانت من أوائل الداعمين لمحمد بن سلمان في مسعاه لتحديث السعودية منذ منتصف العقد الماضي، وقد روّج محمد بن زايد لولي العهد السعودي وخططه الإصلاحية في العواصم الغربية، وخصوصًا واشنطن.
وتوحد البلدان في محطات مفصلية، أبرزها التدخل العسكري في اليمن عام 2015، والحصار المفروض على قطر عام 2017. غير أن صعود محمد بن سلمان وتكريسه سلطته داخليًا ترافق مع سعيه إلى إعادة تعريف الدور السعودي إقليميًا وعالميًا، ما أعاد إلى السطح تنافسًا كامنًا بين نظامين شديدي الطموح.
وتنقل فايننشال تايمز عن محللين قولهم إن كل طرف يرى نفسه القائد الطبيعي للمنطقة: فالسعودية تستند إلى حجمها وثقلها الديني والاقتصادي، فيما تعوّل الإمارات على نفوذها المالي وشبكاتها الدولية وقدرتها على التحرّك السريع.
وبرزت أولى علامات التباعد بوضوح في اليمن عام 2019، عندما غيرت الإمارات استراتيجيتها وسحبت قواتها، بينما واصلت دعم فصائل محلية تتعارض أحيانًا مع أجندة الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض.
كما تفاقم الخلاف مع تصاعد التنافس الاقتصادي، خاصة بعد حملة أطلقتها السعودية عام 2021 لإجبار الشركات العالمية على نقل مقارّها الإقليمية إلى الرياض، وهو ما اعتبرته أبوظبي تهديدًا مباشرًا لمكانة دبي كمركز مالي وتجاري إقليمي.
وتشير الصحيفة إلى أن التباينات امتدت أيضًا إلى ملفات إقليمية أخرى، من سوريا والسودان إلى سياسات إنتاج النفط داخل تحالف «أوبك بلس»، حيث تقود السعودية المسار العام، بينما تسعى الإمارات إلى هامش مناورة أوسع.
وفي السودان، وجدت الرياض وأبوظبي نفسيهما على طرفي نقيض بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، إذ تميل السعودية إلى دعم الجيش بوصفه ممثلًا للدولة، فيما تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي.
وترى فايننشال تايمز أن الأزمة الأخيرة في اليمن شكلت «الخط الأحمر» بالنسبة للرياض، إذ اعتبر تقدم قوات مدعومة من الإمارات في مناطق حدودية مساسًا مباشرًا بالأمن القومي السعودي.
ويخلص التقرير إلى أن قرار الإمارات سحب قواتها وفر مخرجًا مؤقتًا من تصعيد خطير، لكنه لا يلغي حقيقة أن التنافس بين البلدين بات أكثر حدة، مع خطر تحوله من خلافات جيوسياسية محسوبة إلى مواجهة شخصية بين أقوى زعيمين في الخليج.















