الجنائية الدولية تجمد مذكرة توقيف ضد قيادي بالدعم السريع في السودان

كشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لم يتقدم بطلب لإصدار أي مذكرة توقيف بشأن الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على بدء التحقيقات وتصاعد الأدلة والاتهامات الدولية لقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وأفاد الموقع، استنادًا إلى مصادر متعددة ووثائق قضائية، بأن مكتب المدعي العام قرر عدم المضي قدمًا في طلب إصدار مذكرة توقيف بحق أحد أفراد قوات الدعم السريع، رغم أن المدعي العام كريم خان أبلغ قضاة المحكمة في يناير/كانون الثاني 2025 باعتزام مكتبه تقديم الطلب قريبًا.
وكان الطلب يتعلق بجرائم مزعومة ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتُكبت في غرب دارفور منذ أبريل/نيسان 2023.
وقال خان، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في 27 يناير/كانون الثاني 2025، إن مكتبه يتخذ الخطوات اللازمة لتقديم طلبات للحصول على أوامر اعتقال مرتبطة بالجرائم المرتكبة في غرب دارفور، مع إعطاء أولوية خاصة للتحقيق في الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات.
لكن مكتب الادعاء لم يقدم، لأكثر من عام بعد خروج خان في إجازة في مايو/أيار 2025، أي تفسير للدائرة التمهيدية في المحكمة بشأن التأخر في تقديم الطلب.
وفي الشهر الماضي، انتقدت هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة في الدائرة التمهيدية مكتب المدعي العام، وأمرت بتوضيح أسباب التأخير وتقديم جدول زمني لتقديم الطلب.
واستشهد القضاة بتصريحات نائبة المدعي العام نزهت شميم خان أمام مجلس الأمن في وقت سابق من العام الجاري، التي تحدثت فيها عن تدهور الأوضاع في دارفور، وأكدت أن إصدار مذكرات التوقيف يمكن أن يساعد في منع ارتكاب المزيد من الجرائم.
وأورد “ميدل إيست آي” أن نائبة المدعي العام، المسؤولة حاليًا عن التحقيق في دارفور، لم تقدم حتى الآن جدولًا زمنيًا لإصدار أي مذكرات توقيف أخرى.
ورفض مكتب المدعي العام، في بيان للموقع، تقديم معلومات بشأن التقدم المحرز في طلبات إصدار مذكرات التوقيف، مؤكدًا أن عليه واجب الحفاظ على السرية تجاه المحكمة والضحايا والشهود، وأن اللوائح المعدلة للمحكمة تشترط تصنيف جميع طلبات مذكرات التوقيف باعتبارها سرية أو مختومة.
وأضاف المكتب أن وتيرة التحقيق تسارعت خلال الأشهر الأخيرة، مع زيادة التركيز على مسارات التحقيق وجمع الأدلة وإجراء مقابلات مع الشهود وتوسيع العمل التحليلي، مؤكدًا إعطاء الأولوية للتحقيق في الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي والجرائم المرتكبة ضد الأطفال والتي تؤثر عليهم.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد وسعت تحقيقاتها في جرائم الحرب الحالية في يوليو/تموز 2023، عندما أعلن خان أن مكتبه يفحص جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يُزعم ارتكابها من قبل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها.
وخلال السنوات التالية، أبلغ مكتب المدعي العام مجلس الأمن مرارًا بأنه يحرز تقدمًا في طلبات إصدار مذكرات التوقيف.
لكن لم توجه حتى الآن أي اتهامات لأي مشتبه به بشأن الفظائع المرتكبة خلال الحرب الحالية، بما في ذلك حصار قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر والسيطرة عليها في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وخلص تقرير لتقصي الحقائق صادر عن الأمم المتحدة في فبراير/شباط إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في الفاشر ضد جماعات غير عربية.
كما ذكر تقرير آخر للأمم المتحدة صدر الأسبوع الماضي أن قوات الدعم السريع مسؤولة عن غالبية الجرائم الجنسية التي ارتكبتها أطراف الحرب في السودان خلال السنوات الثلاث الماضية.
وفرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على أربعة من قادة قوات الدعم السريع بسبب الفظائع المرتكبة في دارفور، فيما اتهمت الولايات المتحدة رسميًا قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية وفرضت عقوبات على قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي” منذ يناير/كانون الثاني 2025.
ورغم تصاعد الأدلة والاتهامات الدولية بشأن الجرائم التي ارتكبها مقاتلو قوات الدعم السريع، لا تزال جميع مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية والمتعلقة بدارفور مرتبطة بجرائم وقعت بين عامي 2003 و2007.
ولا تزال أربع مذكرات توقيف معلقة بحق الرئيس السوداني السابق عمر البشير، والوزيرين السابقين أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، وقائد المتمردين عبد الله باندا.
كما أن الإدانة الوحيدة التي أصدرتها المحكمة بشأن جرائم دارفور، بحق زعيم الجنجويد السابق علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم “علي كوشيب”، تتعلق بالفترة السابقة نفسها.
وحُكم على علي كوشيب بالسجن لمدة 20 عامًا في ديسمبر/كانون الأول 2025، إلا أن القضية لا تزال قيد الاستئناف.
ومن المقرر أن تقدم نائبة المدعي العام نزهت شميم خان إحاطة نصف سنوية بشأن دارفور أمام مجلس الأمن الدولي في وقت لاحق من يوليو/تموز الجاري.
وتسببت الحرب المستمرة في السودان خلال السنوات الثلاث الماضية في مقتل الآلاف وتشريد أكثر من 13 مليون شخص، فيما دفعت أكثر من 19.5 مليون شخص إلى حافة المجاعة، في أزمة وصفتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنها أكبر أزمة إنسانية وأزمة نزوح في العالم.
وفي تطور لافت، قدمت منظمات حقوقية بلاغين إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية تطالبه بالتحقيق في دور جهات أجنبية في مساعدة وتحريض قوات الدعم السريع على ارتكاب الفظائع، ولا سيما مسؤولين كبار في الإمارات العربية المتحدة.
وتتهم السلطات السودانية ومنظمات حقوقية أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، فيما تنفي الإمارات تقديم أي دعم للقوات شبه العسكرية.
ويثير توقف مكتب المدعي العام عن المضي قدمًا في طلب إصدار مذكرة التوقيف، وعدم تقديم جدول زمني لمذكرات أخرى، تساؤلات متزايدة بشأن أداء المحكمة الجنائية الدولية وقدرتها على ملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية، خصوصًا مع تصاعد الفظائع في دارفور وتزايد الأدلة الدولية بشأن جرائم الإبادة الجماعية والعنف الجنسي والتهجير التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.















