الإمارات تعيد رسم حدود جنوب اليمن وصراع النفوذ مع السعودية يدخل مرحلة الانفجار

يمثل الاستيلاء الكامل للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على المحافظات الجنوبية الثماني في اليمن نقطة تحول تاريخية لا تخص اليمن وحده، بل تُعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية في الخليج والبحر العربي والقرن الأفريقي.

فالتطور الذي وصفته صحيفة الغارديان البريطانية بأنه “انتكاسة كبيرة” للسعودية لا يحدث في فراغ، بل يأتي تتويجًا لصراع مكتوم بين أبوظبي والرياض حول شكل النفوذ ومصادر القوة وحدود المشروع السياسي في اليمن منذ عام 2015.

ورصد تقرير الغارديان كيف تقدّم نحو 10 آلاف جندي من قوات الانتقالي نحو حضرموت الغنية بالنفط، ثم إلى محافظة المَراح المحاذية لعُمان، في عملية عسكرية متقنة أنهت أي وجود فعّال للقوات التابعة للحكومة المدعومة سعوديًا.

وأبرزت الصحيفة أنه مع هذا التمدد أصبحت قوات الانتقالي تسيطر لأول مرة على كامل رقعة الجنوب التاريخية التي كانت دولة مستقلة قبل وحدة 1990.

وبحسب الصحيفة لم يكن هذا مجرد انتصار عسكري؛ بل هو تأسيس جغرافي لكيان سياسي جاهز لطرح سؤال الانفصال من جديد، وهو ما أشارت إليه الصحيفة عندما تحدثت عن أن تلك السيطرة تفتح الباب أمام “إعلان الجنوب استقلاله وإعادة اليمن إلى دولتين لأول مرة منذ ستينيات القرن الماضي”.

تراجع مذهل للنفوذ السعودي

أحد أخطر مؤشرات التحول التي رصدها التقرير هو انسحاب القوات السعودية من القصر الرئاسي والمطار في عدن. هذا الانسحاب لا يمكن تفسيره باعتباره خطوة تكتيكية، بل هو اعتراف عملي بأن الرياض فقدت زمام المبادرة جنوب اليمن لصالح المشروع الإماراتي.

والمفارقة أن السعودية، التي كانت اللاعب الأقوى في اليمن قبل عشر سنوات، تجد نفسها اليوم مضطرة للانسحاب من منطقة تعتبرها جزءًا من أمنها القومي، بينما تواصل الإمارات بناء نفوذ متماسك يعزز سيطرتها على الموانئ والممرات البحرية وحقول النفط.

وينقل تقرير الغارديان إشارات واضحة إلى أن التحرك الجنوبي جاء بعد “ضوء أخضر” من أبوظبي، خاصة بعد غضب الأخيرة من طلب سعودي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل في ملف السودان.

وبحسب الصحيفة فإن هذا الربط مهم للغاية لأنه يشير إلى أن الإمارات باتت تتعامل مع اليمن كساحة نفوذ مباشر، تستخدمه للرد أو المناورة في ملفات إقليمية أخرى، مثل السودان والبحر الأحمر.

كما أن السيطرة على شركة بترومسيلة، أكبر شركة نفط يمنية، تأتي لتؤكد أن الأمر يتجاوز دعم الانفصال أو التصدي للحوثيين؛ إنه مشروع اقتصادي – جغرافي طويل الأمد يعزز موقع الإمارات في مجال الطاقة والموانئ والنفوذ البحري الممتد من عدن إلى المكلا فبحر العرب.

الإمارات كلمة السر للانفصال

تؤكد الصحيفة أن المجلس الانتقالي وإن بدا منتصرًا عسكريًا، إلا أنه لن يتحرك نحو إعلان دولة مستقلة دون موافقة صريحة من الإمارات. وهو ما يعني أن الجنوب – في حال الاستقلال – سيكون جزءًا من استراتيجية أبوظبي الإقليمية، وليس كيانًا منعزلًا يعتمد فقط على تطلعات قاعدته الشعبية.

ورغم أن الانتقالي يتحدث عن استفتاء على الاستقلال، إلا أن التجارب التي أوردتها الغارديان – مثل تجربة الصحراء الغربية – تشير إلى هشاشة الاعتراف الدولي بالكيانات المنفصلة حديثًا، خصوصًا إذا افتقرت إلى توافق إقليمي.

وتنقل الغارديان أن القوى الغربية، رغم متابعتها الدقيقة للتحولات، امتنعت عن إصدار أي بيان. وهذا الصمت يعكس عدة أمور برزها الخشية من تفكك اليمن رسميًا ما قد يفشل أي مسار سياسي جامع وعدم الرغبة في استفزاز السعودية، التي لا تزال شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا مهمًا فضلا عن القلق من تنامي نفوذ الإمارات في منطقة استراتيجية حساسة تمتد من باب المندب إلى المحيط الهندي.

ورغم ذلك، تواصل تلك الدول التواصل مع عيدروس الزبيدي لتقييم نواياه تجاه الحوثيين وعلاقاته مع روسيا، في مؤشر على أن الجنوب بدأ يتعامل معه كفاعل مستقل فعليًا في مستقبل اليمن.

تحذيرات من تفكك التحالفات الإقليمية

تقول الباحثة ميساء شجاع الدين، كما نقلت الغارديان، إن ما حدث ربما يكون “أكبر نقطة تحول منذ سقوط صنعاء”.

وتضيف أن هذه الخطوة قد تجرّ الإمارات إلى صراع مع السعودية، ليس فقط حول مستقبل الجنوب، بل حول مستقبل الحدود السعودية – اليمنية وتعامل الرياض مع الحوثيين.

كما أن تمدد الانتقالي في مناطق خارج حدود الجنوب التقليدي، مثل تعز ومأرب، سيجعل المشهد أكثر تعقيدًا، ويفرض خطوط تماس جديدة بينه وبين الحوثيين من جهة، وبين السعودية والإمارات من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى