تفكيك جوجل: دعم أمريكي يمنح الاتحاد الأوروبي غطاءً سياسياً لاتخاذ موقف حازم

أثار الإعلان الأخير لوزارة العدل الأمريكية بشأن إمكانية تفكيك شركة جوجل من خلال دعوى قضائية لمكافحة الاحتكار، فرصة فريدة للاتحاد الأوروبي لتشديد موقفه تجاه الشركة.
فقد تناولت الدعوى الأمريكية ممارسات جوجل الاحتكارية في خدمات البحث، مما أعطى دفعة قوية للتحركات الأوروبية التي كانت تبحث في انتهاكات الشركة في سوق تكنولوجيا الإعلانات منذ العام الماضي.
بالنسبة للمفوضية الأوروبية، جاء هذا التغيير في الموقف الأمريكي في توقيت مثالي، إذ كانت قد بدأت في الترويج لخيار تفكيك أعمال جوجل، وهي خطوة كانت تعتبر في السابق مستبعدة.
إلا أن الدعم الأمريكي قد يغير كل شيء، خاصة بعد أن أصبحت فكرة تقسيم الشركة العملاقة أكثر واقعية مما كانت عليه في عام 2014.
أليك بيرنسايد، شريك في شركة ديشيرت القانونية، والذي يمثل شركات تضررت من ممارسات جوجل، أوضح أن الاتحاد الأوروبي كان في موقف حرج خلال السنوات السابقة، إذ كان يعتبر أن توجيه أوامر بالتفكيك لشركات أمريكية كبرى مثل جوجل أمر غير واقعي، طالما أن الولايات المتحدة نفسها لم تتخذ خطوات مشابهة.
وقال: “الاتحاد الأوروبي كان يخاطر بتدهور العلاقات مع واشنطن إذا حاول التحرك بشكل منفرد”.
في السياق نفسه، أشار توماس فينجي، محامٍ في شركة كليفورد تشانس، إلى أن الدعم الأمريكي لهذا الاتجاه يمنح الاتحاد الأوروبي الغطاء السياسي اللازم لمتابعة إجراءات التفكيك.
مضيفًا: “في ظل هذا التحول، من الذي سيدعم جوجل في أوروبا أو حتى في الولايات المتحدة؟”.
يشرف على قسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الأمريكية جوناثان كانتر، محامٍ سابق متخصص في قضايا التكنولوجيا وعمل لصالح منافسين لجوجل مثل Microsoft وYelp.
ومنذ توليه هذا المنصب، شهدت سياسات مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة إعادة تفعيل قوية، مع رفع عدد كبير من القضايا ضد شركات التكنولوجيا الكبرى.
وتشمل هذه القضايا الدعوى القضائية ضد جوجل فيما يخص احتكارها لأسواق البحث والإعلانات عبر الإنترنت.
وقد أشار قاضٍ أمريكي في أغسطس الماضي إلى أن جوجل تستخدم ممارسات غير قانونية لتثبيت هيمنتها على هذه الأسواق.
وتتركز القضية حول الصفقات التي أبرمتها جوجل مع صانعي الهواتف الذكية، مثل دفعها لشركة أبل لجعل محرك البحث الخاص بها هو الخيار الافتراضي في أجهزة iPhone.
وفي هذا السياق، قدمت وزارة العدل اقتراحًا هذا الشهر يتضمن سيناريوهات مختلفة لتفكيك احتكار جوجل، مثل فصل نظام التشغيل أندرويد أو متصفح Chrome.
ومن المتوقع تقديم تفاصيل إضافية بحلول نوفمبر، بينما يُنتظر أن تقدم جوجل اقتراحاتها بحلول ديسمبر.
التحركات الأمريكية جاءت كدعم كبير لجهود المفوضية الأوروبية، التي تعرضت سابقًا لانتقادات بسبب فرض غرامات كبيرة ورفض عمليات اندماج، خاصة ضد شركات أمريكية.
ويرى سيسيليو ماديرو، مستشار في شركة APCO العالمية ومسؤول سابق في المفوضية الأوروبية، أن هناك توافقًا متزايدًا بين الجانبين في قضايا مكافحة الاحتكار.
وأشار إلى أن أي تحرك أوروبي ضد جوجل لن يثير الآن قلقًا في واشنطن، حيث أصبحت المنظمتان على نفس الصفحة.
في ظل هذا المشهد، كانت استجابة جوجل محدودة. في بيان سابق، وصفت الشركة تحركات وزارة العدل بأنها “تجاوز تنظيمي”، وحذرت من أن إعاقة أدواتها قد تعرقل الابتكار الأمريكي في وقت حرج.
كما أشارت إلى أن خدماتها الإعلانية المتكاملة تفيد المستخدمين من خلال توفير حلول فعالة لربط المعلنين والناشرين.
مارغريت فيستاجر، المفوضة الأوروبية المسؤولة عن سياسة المنافسة، فرضت خلال فترة ولايتها غرامات تتجاوز 8 مليارات يورو على جوجل، وتمكنت حتى من تحقيق انتصارات قانونية ضد الشركة.
لكن أكبر إنجازاتها قد يكون إقرار “قانون الأسواق الرقمية” (DMA)، وهو قانون يهدف إلى وضع قواعد صارمة على شركات التكنولوجيا الكبرى.
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال جوجل تحتفظ بحصة سوقية تبلغ 90% في محرك البحث الخاص بها في أوروبا.
سيطرة جوجل على تكنولوجيا الإعلانات أصبحت الهدف التالي للاتحاد الأوروبي، حيث أشارت فيستاجر إلى أن هذا القطاع يكشف عن “تضارب مصالح متأصل” لا يمكن حله إلا من خلال التفكيك أو التجريد.
ومع اقتراب نهاية ولايتها، يتوقع الكثيرون أن تواصل فيستاجر مفاجأة العالم بخطوات جديدة قد تغير قواعد اللعبة.
من غير الواضح ما إذا كانت فيستاجر ستتمكن من إنهاء التحقيق الجاري في أعمال جوجل قبل انتهاء ولايتها.
لكن الواضح أن الاتحاد الأوروبي أصبح أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لتحدي هيمنة الشركات الأمريكية العملاقة، مدعومًا بتوافق غير مسبوق مع الولايات المتحدة.















