تقرير موسع يكشف كيف ساهمت أبوظبي في زعزعة استقرار المنطقة؟

في تحليل موسع نشره موقع “ميدل إيست آي”، تم الكشف عن الاستراتيجية المعقدة التي تتبعها الإمارات العربية المتحدة لتعزيز نفوذها الإقليمي عبر دعم قوى انفصالية وحركات مسلحة في عدد من الدول العربية.
هذه الاستراتيجية التي بدأت تتشكل بوضوح بعد أحداث الربيع العربي، تحولت إلى ما يمكن تسميته “محور الانفصاليين”، وهو شبكة مترابطة من الميليشيات والقوى السياسية التي تعمل لصالح المصالح الإماراتية.
السياق التاريخي للتدخل الإماراتي
تعود جذور هذه الاستراتيجية إلى عام 2011، عندما وجدت الإمارات نفسها في مواجهة ما اعتبرته تهديداً وجودياً ممثلاً في صعود التيارات الإسلامية بعد الربيع العربي. وفقاً للتقرير، بدأت أبوظبي في بناء شبكة من التحالفات غير التقليدية كرد فعل على هذا التهديد، مستفيدةً من مواردها المالية الهائلة وعلاقاتها الدولية.
وقد تطور هذا النهج من مجرد دعم مالي إلى استراتيجية متكاملة تعتمد على عدة عناصر رئيسية: الدعم العسكري المباشر وغير المباشر، التحكم في المسارات الاقتصادية، وتوظيف النزعات الانفصالية المحلية. كل هذا تحت شعار مكافحة الإرهاب وحفظ الاستقرار، بحسب الرواية الرسمية الإماراتية.
ليبيا: المختبر الأول
تشكل التجربة الليبية النموذج الأكثر وضوحاً لهذه الاستراتيجية. فبعد فشل محاولة خليفة حفتر الانقلابية في 2014، التقطت الإمارات الخيط وبدأت في تحويل هذا الضابط السابق إلى قائد لـ”ثورة مضادة”. وفقاً للتحقيق، قدمت أبوظبي لحفتر دعماً شاملاً شمل:
- التمويل المباشر عبر قنوات رسمية وغير رسمية
- الأسلحة والمعدات العسكرية التي تم نقلها عبر دول وسيطة
- الدعم الإعلامي عبر وسائل إعلام مملوكة أو مدعومة إماراتياً
- الشرعية السياسية عبر الضغط على المحافل الدولية
الأكثر إثارة في الحالة الليبية، كما يكشف التقرير، هو كيفية استغلال الإمارات للانقسام التاريخي بين شرق ليبيا وغربها. فقد عملت على تعزيز هوية “برقة” ككيان منفصل، مستغلةً المشاعر الإقليمية لدى سكان الشرق الليبي.
اليمن: من الحرب إلى التقسيم
في اليمن، اتخذت الاستراتيجية الإماراتية منحىً أكثر تعقيداً. بعد المشاركة الأولية في التحالف العسكري بقيادة السعودية، بدأت أبوظبي في تنفيذ خطتها الخاصة التي ركزت على:
- بناء قوة محلية: عبر إنشاء “قوات الحزام الأمني” التي تدربت على أيدي خبراء إماراتيين وأجانب.
- تمكين الانفصاليين: بدعم “المجلس الانتقالي الجنوبي” كقوة سياسية تتبنى مطالب انفصالية.
- السيطرة على الموارد: عبر السيطرة الفعلية على الموانئ الرئيسية مثل عدن ومقديشو.
ويكشف التقرير عن وثائق تظهر كيف استخدمت الإمارات شركات إماراتية لتسيير عمليات تجارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الانفصاليين، مع تحويل جزء من الأرباح لتمويل هذه الجماعات.
السودان: ذهب دارفور يمول الحرب
الحالة السودانية تقدم نموذجاً صارخاً لكيفية تحويل الموارد الطبيعية إلى أداة للسياسة الخارجية. وفقاً للتحقيق، فإن الإمارات استخدمت شبكة معقدة من الشركات والوسطاء ل:
- شراء الذهب المستخرج من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع
- تبييض هذه العمليات عبر مؤسسات مالية إماراتية
- استخدام العائدات في تمويل العمليات العسكرية للقوات الانفصالية
ويشير التقرير إلى وجود وثائق تثبت تحويلات مالية كبيرة من حسابات إماراتية إلى شخصيات مرتبطة بقوات الدعم السريع، في وقت كانت فيه هذه القوات تشن عمليات عسكرية ضد الحكومة المركزية.
الصومال: تفكيك الدولة من الداخل
في الصومال، اتبعت الإمارات استراتيجية مختلفة ولكنها متسقة مع نهجها العام. فقد ركزت على:
- أرض الصومال: عبر بناء القواعد العسكرية وتقديم الدعم المباشر للسلطات الانفصالية
- بونتلاند: بتدريب قوات أمنية موالية خارج إطار الحكومة الفيدرالية
- جوبالاند: عبر دعم القوى المحلية المعارضة لمقديشو
ويكشف تحقيق ميدل إيست آي عن وجود عقود سرية بين جهات إماراتية وقيادات محلية في هذه المناطق، تضمنت تمويلاً سخياً مقابل امتيازات اقتصادية وعسكرية.
الأدوات والآليات
ما يجعل هذه الاستراتيجية فعالة هو الاعتماد على شبكة متكاملة من الآليات:
1. الأدوات المالية
- نظام تحويل الأموال عبر البنوك الإماراتية
- توظيف تجارة السلع الأساسية (الذهب، النفط، المعادن) في التمويل
- إنشاء شركات وهمية للتحايل على العقوبات الدولية
2. الشبكات اللوجستية
- الاستفادة من شركات الشحن والطيران الإماراتية
- استخدام المطارات المدنية والعسكرية كنقاط عبور
- توظيف شبكات التهريب الإقليمية القائمة
3. آليات الإسناد الإعلامي
- توظيف وسائل إعلام محلية وإقليمية
- الاستعانة بشركات العلاقات العامة الدولية
- صناعة روايات إعلامية بديلة
التحديات والمستقبل
رغم نجاح هذه الاستراتيجية في تحقيق أهداف إماراتية قصيرة المدى، إلا أنها تواجه تحديات جسيمة:
- ضغوط دولية متزايدة: مع تصاعد الاتهامات بانتهاك السيادة الوطنية
- عدم الاستقرار: بسبب اعتماد الاستراتيجية على شخصيات قد تتغير موازين قواها
- التنافس الإقليمي: مع قوى مثل تركيا وقطر في نفس الساحات
أسئلة بدون إجابات
يطرح التقرير في خاتمته عدة تساؤلات جوهرية:
- إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الاستراتيجية مستدامة؟
- ما هي التبعات طويلة المدى لتفكيك الدول العربية؟
- كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يستجيب لمثل هذه النماذج من التدخل؟
ويخلص تحقيق ميدل إيست آي إلى أن الإمارات نجحت، عبر هذه الاستراتيجية، في تحويل نفسها من دولة صغيرة إلى لاعب إقليمي رئيسي. لكن هذا النجاح يأتي على حساب استقرار المنطقة ووحدة دولها، وهو ما قد يفرض في المدى البعيد إعادة تقييم جذرية لهذه السياسات.
يذكر أن التقرير استند إلى وثائق داخلية ومقابلات مع مسؤولين سابقين ومراقبين إقليميين، بينما تواصل الإمارات نفي هذه الاتهامات، مؤكدة أن سياساتها تهدف إلى “تعزيز الاستقرار والتنمية” في المنطقة.















