استطلاع: تحول لافت في نظرة الشباب الأمريكيين لميزان القوة العالمي

أظهر استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي تحوّلًا لافتًا في نظرة الأمريكيين، وخصوصًا فئة الشباب، إلى ميزان القوة العالمي، حيث بات عدد متزايد منهم يرى أن الصين أصبحت تتمتع بقوة ونفوذ عالميين يوازيان أو يتفوقان على الولايات المتحدة، في مؤشر يعكس تغيرًا عميقًا في الوعي السياسي والاقتصادي للأجيال الجديدة داخل المجتمع الأمريكي.

وأظهر الاستطلاع، الذي شمل 1500 أمريكي وأُجري خلال الفترة من 24 نوفمبر إلى 1 ديسمبر 2025، فجوة واضحة بين الأجيال في تقييم مكانة الولايات المتحدة مقارنة بالصين.

فبينما يرى 25% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا أن الصين أقوى من الولايات المتحدة، لا يشاركهم هذا الرأي سوى 12% فقط من الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر.

في المقابل، يميل كبار السن إلى التمسك بصورة أمريكا باعتبارها القوة العالمية المهيمنة؛ إذ قال 39% من الفئة العمرية 65 عامًا فأكثر إن الولايات المتحدة أقوى من الصين، مقارنة بـ 32% فقط من فئة الشباب.

وتعكس هذه الأرقام اختلافًا بنيويًا في طريقة فهم القوة والنفوذ العالميين بين جيل نشأ في ظل الحرب الباردة، وجيل آخر تشكّل وعيه في عالم متعدد الأقطاب.

وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها لا ترتبط فقط بتغير موازين القوى الدولية، بل بتغير المعايير التي يستخدمها الشباب الأمريكي لقياس هذه القوة. فبحسب خبراء، لم يعد التفوق العسكري أو الخطاب القومي كافيًا لإقناع الأجيال الجديدة بفكرة «الاستثنائية الأمريكية».

وقال كريغ كافورا من مجلس شيكاغو للشؤون العالمية إن الشباب الأمريكي «أقل ميلًا للنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها دولة استثنائية بشكل فريد»، موضحًا أن الانفتاح على الثقافات الأخرى، والسفر، والاطلاع على نماذج مختلفة للسياسات العامة، لعب دورًا أساسيًا في هذا التحول.

وأشار كافورا إلى أن اطلاع الشباب على أنظمة الرعاية الصحية في أوروبا، على سبيل المثال، يجعلهم يتساءلون عن أسباب فشل الولايات المتحدة في تقديم خدمات مماثلة بتكلفة أقل ونتائج أفضل، مضيفًا أن أي شاب يسافر خارج البلاد ويستخدم وسائل النقل العام الحديثة «يبدأ في إعادة التفكير في سردية التفوق الأمريكي».

وعلى عكس الأجيال الأكبر سنًا، لم تعد الصين تمثل في نظر كثير من الشباب الأمريكي «العدو الأيديولوجي» أو «التهديد الوجودي» الذي طبع الخطاب السياسي خلال عقود الحرب الباردة.

فالشباب يتعرفون على الصين من خلال نقاط اتصال ثقافية وتكنولوجية، مثل تطبيق تيك توك، والمنتجات الاستهلاكية، والابتكارات الرقمية، بدلًا من النظر إليها حصريًا من زاوية الأمن القومي.

وفي الوقت نفسه، يواجه الشباب الأمريكي تحديات داخلية ضاغطة، من بينها سوق عمل صعب للخريجين الجدد، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط تضخمية مستمرة، إلى جانب شعور متزايد بأن النظام السياسي الأمريكي «مختل» ولا يخدم مصالحهم. هذه العوامل تجعل النقاش حول الهيمنة العالمية أقل أولوية من قضايا الحياة اليومية.

وفي هذا السياق، ليس من المستغرب أن تُظهر استطلاعات أخرى ميلًا متزايدًا لدى طلاب الجامعات الأمريكيين لتفضيل الاشتراكية على الرأسمالية، وفق استطلاع أجرته مؤسسة «أكسيوس – جينيريشن لاب» في نوفمبر الماضي.

أما الأمريكيون الأكبر سنًا، وخصوصًا من بلغوا سن الرشد خلال الحرب الباردة، فما زالوا يحملون تصورات سلبية أعمق تجاه الصين، ويعتبرونها خصمًا استراتيجيًا يهدد النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود.

ويُضاف إلى ذلك أن هذه الفئة العمرية تتمتع عمومًا باستقرار مالي أكبر، ما يقلل من شعورها بالأزمة البنيوية التي يعاني منها الشباب.

وقال جيك ويرنر، مدير برنامج شرق آسيا في معهد كوينسي، إن التصنيف الثنائي التقليدي الذي يربط الولايات المتحدة بالرأسمالية والصين بالاشتراكية «لم يعد مقنعًا للأجيال الجديدة».

وأضاف أن الوعود التي جعلت الرأسمالية جذابة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي «انقلبت رأسًا على عقب»، مشيرًا إلى أن جزءًا من الإعجاب بالصين قد يكون نابعًا من الاعتقاد بأن «العشب أكثر خضرة في الجهة الأخرى».

وبحسب الاستطلاع، قال 68% من الشباب بين 18 و29 عامًا إن الصين تتمتع بقوة ونفوذ مساويين أو أكبر من الولايات المتحدة، مقارنة بـ 61% فقط من الفئة العمرية 65 عامًا فأكثر.

كما أظهرت بيانات أخرى أن 47% من الأمريكيين عمومًا يعتقدون أن الصين أقوى بالفعل من الولايات المتحدة أو ستصبح كذلك خلال خمس سنوات.

ويرى 63% من المستطلعين أن الصين تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا، فيما يعتقد 42% أنها تتمتع بميزة اقتصادية. وتشير هذه الأرقام إلى أن الشك في الهيمنة الأمريكية لم يعد هامشيًا، بل بات تيارًا متناميًا، خاصة بين الأجيال الشابة.

ومع صعود هذه الأجيال إلى مواقع التأثير، يتوقع مراقبون أن يُعاد تشكيل النقاش الأمريكي حول الرأسمالية، والتدخل الخارجي، وطبيعة المنافسة مع الصين، في عالم لم تعد فيه الهيمنة الأمريكية مسلّمة غير قابلة للنقاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى