ترامب يواجه مأزقًا متصاعدًا في الحرب مع إيران وسط تضاؤل خياراته العسكرية والسياسية

كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل موسع أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه أزمة متفاقمة في إدارة الحرب مع إيران، بعدما اصطدمت أهدافه العسكرية والسياسية بعقبات ميدانية واستراتيجية، ما أدى إلى تضييق خياراته بين التصعيد العسكري، وتشديد الضغوط الاقتصادية، أو إعلان إنهاء المواجهة دون تحقيق الأهداف التي أعلنها عند بدء العمليات.

وأوضح التحليل أن ترامب، الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره رئيسًا يتخذ قرارات غير متوقعة، بدأ الحرب وهو يسعى إلى تحقيق هدفين رئيسيين يتمثلان في إنهاء البرنامج النووي الإيراني سريعًا وإسقاط النظام الإيراني، إلا أن مرور خمسة أشهر على بدء العمليات لم يؤد إلى تحقيق أي من الهدفين بصورة حاسمة.

وبحسب الصحيفة، فإن الإدارة الأمريكية كانت تعتقد في بداية الحرب أن استخدام القوة العسكرية المكثفة سيتيح تكرار ما وصف داخل البيت الأبيض بـ”النموذج الفنزويلي”، عبر ممارسة ضغوط تؤدي إلى تغيير النظام في طهران، غير أن تقديرات أجهزة الاستخبارات الأمريكية خلصت لاحقًا إلى أن الظروف الإيرانية تختلف جذريًا، وأن هذا السيناريو لا يبدو قابلًا للتحقق.

وأشار التحليل إلى أن الحرب أفرزت تحديات إضافية أمام الإدارة الأمريكية، من بينها ارتفاع أسعار النفط، واستمرار اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب تصاعد المخاطر في الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما انعكس على الأسواق العالمية وأثار مخاوف اقتصادية متزايدة.

ولفتت الصحيفة إلى أن ترامب أقر بعدم وجود رغبة لدى الإدارة في إرسال قوات برية، رغم تهديداته السابقة باستهداف منشآت نفطية إيرانية والسيطرة على جزيرة خرج أو الاستيلاء على مخزونات اليورانيوم المخصب، مؤكدة أن هذه القيود زادت من حالة الإحباط داخل البيت الأبيض.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مقربة من الرئيس أن الحرب أثرت بصورة مباشرة على أسلوب إدارته للملفات الداخلية والخارجية، مشيرة إلى أن حالة التردد انعكست على عدد من القرارات السياسية خلال الأيام الماضية.

وفي هذا السياق، استعرض التحليل تراجع ترامب عن اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية بعد أقل من يوم على توقيعه، بعدما ربط تنفيذه بانضمام الرياض إلى اتفاقيات إبراهيم والاعتراف بإسرائيل، وهو ما اعتبره مراقبون تحولًا مفاجئًا في موقف الإدارة الأمريكية.

ونقلت الصحيفة عن الدبلوماسي الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر قوله إن هذه الخطوة أثارت استياء السعودية، وأرضت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما منحت إيران فرصة لاتهام واشنطن بعدم الالتزام بالاتفاقات.

وأضافت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي اتخذ بعد ذلك قرارًا بإلغاء اتفاق سابق يتعلق بجسر غوردي هاو الدولي بين الولايات المتحدة وكندا، كما فرض رسوماً جمركية جديدة على سلع كندية، في خطوة أثارت انتقادات باعتبارها تتعارض مع اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا التي سبق لترامب نفسه أن تفاوض بشأنها خلال ولايته الأولى.

كما أشار التحليل إلى أن التراجع عن الاتفاقات امتد إلى ملفات السياسة الداخلية، بعدما رفض ترامب التوقيع على مشروع قانون للإسكان كان يحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مفضلًا التركيز على مشروع قانون يتعلق بتعديل قوانين التصويت، رغم عدم امتلاكه التأييد الكافي داخل الكونغرس.

ووفقًا للصحيفة، فإن استطلاعات الرأي أظهرت تراجع التأييد الشعبي لإدارة الحرب، إذ لم تتجاوز نسبة الأمريكيين المؤيدين لطريقة تعامل ترامب مع الصراع 29%، في وقت تتزايد فيه الأصوات داخل الحزب الجمهوري المطالبة بإنهاء الحرب.

وأشار التحليل إلى أن رئيس مجلس النواب مايك جونسون دعا إلى إنهاء الصراع، معبرًا عن موقف يتردد بصورة متزايدة داخل الأوساط الجمهورية، في حين لا تزال الإدارة الأمريكية تبحث عن مخرج يحافظ على صورتها السياسية.

ورأت الصحيفة أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب في يونيو الماضي لم يصمد سوى أسبوعين، بعدما برزت خلافات داخل إيران بين المسؤولين الذين شاركوا في المفاوضات والحرس الثوري، الذي واصل عملياته في مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى انهيار التفاهمات سريعًا.

وأكدت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي يواجه حاليًا ثلاثة خيارات رئيسية، تتمثل في العودة إلى التصعيد العسكري، أو منح العقوبات الاقتصادية مزيدًا من الوقت لإضعاف إيران، أو إعلان تحقيق أهدافه والانسحاب من الحرب.

وأشارت إلى أن خيار التصعيد العسكري يواجه اعتراضات داخل الإدارة الأمريكية بعد تحذيرات من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، إضافة إلى مخاوف من استنزاف مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية، وهو ما قد يؤثر في قدرة واشنطن على التعامل مع أزمات أخرى تتعلق بروسيا أو الصين.

وأضافت الصحيفة أن خيار تشديد العقوبات يحتاج إلى وقت طويل لتحقيق نتائجه، بينما لم تؤد العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عام 2018 إلى انهيار النظام الإيراني كما كانت تتوقع واشنطن، رغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة.

أما خيار الانسحاب، فرأت الصحيفة أنه قد يحمل تداعيات سياسية واستراتيجية كبيرة إذا بقيت إيران محتفظة بمخزون من اليورانيوم المخصب وبقدرتها على التأثير في الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما قد ينعكس على أسواق الطاقة العالمية ويضع إدارة ترامب أمام انتقادات بشأن نتائج الحرب التي أطلقتها لتحقيق أهداف لم تتمكن من إنجازها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى