الانهيار المناخي الكبير في العالم: تراجع غير مسبوق يربك الكوكب والاستثمارات

شهد العالم خلال العام الماضي تراجعًا حادًا ومفاجئًا في مكانة أجندة المناخ على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، في مشهد وُصف بأنه «انهيار مناخي كبير» من حيث السرعة والحجم والنطاق.

ويمتد هذا التراجع عبر قارات ومؤسسات، ويطرح سؤالًا محوريًا حول ما إذا كان ما يجري مجرد انتكاسة مؤقتة أم تحولًا طويل الأمد سيعيد رسم علاقة العالم بقضية تغيّر المناخ.

وتكمن أهمية هذا التحول في كونه يحدث بينما يواصل كوكب الأرض تسجيل ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة، وفي وقت ترتبط فيه تريليونات الدولارات من الاستثمارات العالمية بمسار التحول في قطاع الطاقة. أي تراجع دائم في الطموحات المناخية سيعني ليس فقط مخاطر بيئية متفاقمة، بل أيضًا إعادة ترتيب جذرية لأولويات الاقتصاد العالمي.

أبرز مظاهر هذا التحول جاء من الولايات المتحدة، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب انسحاب بلاده من المعاهدة الدولية الرئيسية للمناخ، والتي ظلت قائمة لأكثر من ثلاثة عقود.

وبذلك أصبحت واشنطن الدولة الوحيدة خارج هذا الإطار العالمي، في خطوة اعتبرها مراقبون ضربة قاسية لمنظومة التعاون الدولي في ملف المناخ.

ويرى دان يرجين، مؤرخ النفط ونائب رئيس مجلس إدارة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، أن الموقف الجديد لا يترك مجالًا للمناورة، بل يعكس رفضًا صريحًا لفكرة التعاون المناخي، مضيفًا أن العالم انتقل «من الإفراط في الاعتماد على البيانات إلى تجاهلها بالكامل».

في السياق الأوسع، يشير خبراء إلى أن العقود الثلاثة الماضية كانت استثناءً في التاريخ الحديث. فبعد نهاية الحرب الباردة، قادت الولايات المتحدة مسارًا عالميًا قائمًا على التعددية والعولمة، ما سهّل التوافق حول سياسات المناخ.

غير أن هذا الإطار بدأ يتفكك مع تصاعد النزعات القومية، وتراجع الشعور بوجود أجندة دولية مشتركة.

وخلال عام واحد فقط، انتشر هذا التحول بسرعة من الحكومات إلى مجالس إدارات الشركات وحتى الثقافة الشعبية. فقد رفض ترامب علنًا اعتبار تغيّر المناخ مشكلة قائمة، بينما بدأ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي كان يُعد من أبرز المدافعين عن السياسات المناخية، في التراجع عن التزامات بلاده.

وفي القطاع الخاص، وجّه بيل غيتس انتقادات لحركة المناخ، محولًا تركيزه من جديد نحو الصحة العامة، بعد سنوات قليلة من نشره كتابًا يحذر من «كارثة مناخية».

كما تراجعت شركة «فورد» عن طموحاتها الواسعة في مجال السيارات الكهربائية، لتصبح مثالًا على مخاطر المراهنة على سياسات حكومية متقلبة.

وفي أوروبا، خففت دول عدة قيودها على السيارات العاملة بالبنزين، وجرى تقليص متطلبات الإفصاح المناخي، في خطوة وصفتها صحف غربية بأنها بداية ابتعاد تدريجي عن سياسات مناخية كانت تُعد مركزية.

حتى الثقافة الشعبية لم تكن بمنأى عن هذا التحول. فبعد موجة أعمال فنية حذرت من الكارثة المناخية، برزت أعمال جديدة تمجد صناعة النفط، ما يعكس تغير المزاج العام وتراجع القلق البيئي في الخطاب السائد.

ومع ذلك، لا يعني هذا التراجع انهيار الطموح المناخي في كل مكان. فما تزال أوروبا متمسكة إلى حد كبير بأهدافها طويلة الأمد، ولا تزال صناديق استثمار أوروبية تستبعد شركات أمريكية لأسباب تتعلق بالاستدامة.

في المقابل، تملأ الصين جزءًا من الفراغ عبر تمويل واسع للتكنولوجيا النظيفة، من البطاريات إلى أبحاث الاندماج النووي، فيما قد يؤدي الدعم الأمريكي للطاقة النووية، بشكل غير مباشر، إلى تقليل الانبعاثات.

عمليًا، تعكس التطورات الحالية تراجعًا عن هدف «صافي الانبعاثات الصفرية» بحلول 2050، لا انسحابًا كاملًا من العمل المناخي. فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، استبدل حظر سيارات البنزين بخفض انبعاثاتها بنسبة 90% بحلول 2035، وهو هدف أقل حدة لكنه ما يزال طموحًا.

وبالأرقام، انخفضت الاستثمارات العالمية في صفقات المناخ والتكنولوجيا النظيفة بنحو 50% منذ ذروتها في عام 2021، إلا أنها لا تزال أعلى بنحو 450% مقارنة بعام 2015، عام توقيع اتفاقية باريس. هذا التناقض يعكس واقعًا معقدًا: تراجع سياسي واضح، يقابله استمرار نسبي في الزخم الاستثماري، ما يجعل مستقبل المناخ معلقًا بين الانتكاس وإعادة التشكل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى