إغلاق نصف مطابخ الإغاثة في السودان مع تراجع الدعم الدولي

كشف تقرير حديث عن إغلاق ما يقرب من نصف المطابخ المجتمعية المنقذة للحياة في السودان خلال الأشهر الستة الماضية، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية بعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية، وتزامناً مع اجتماع دولي في برلين لبحث تطورات النزاع.

وأظهرت دراسة أجرتها منظمة الإغاثة الإسلامية أن نحو 42% من مطابخ الإغاثة، المعروفة محلياً باسم “التكايا”، توقفت عن العمل نتيجة نقص التمويل والإمدادات، إلى جانب تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أثرت على سلاسل التوريد العالمية.

وتمثل هذه المطابخ شريان حياة لملايين السودانيين، حيث تعتمد عليها شرائح واسعة من السكان في تأمين وجباتهم اليومية، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي والنزوح الجماعي. وأوضح المسح، الذي شمل 844 مطبخاً في ست ولايات، أن 354 منها أغلقت أبوابها، ما يعكس حجم التدهور في القدرة على الاستجابة الإنسانية.

ويواجه أكثر من 21 مليون شخص في السودان، أي ما يقارب 45% من السكان، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة النزاع المستمر، والهجمات على الأراضي الزراعية، وتعطل طرق التجارة.

وقد زادت الأزمة تعقيداً مع ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 187% خلال الأسابيع الأخيرة، ما أدى إلى زيادة تكاليف تشغيل المطابخ وتراجع قدرتها على الاستمرار.

وتأتي هذه التطورات في وقت تجاوز فيه عدد المفقودين في السودان 11 ألف شخص، بزيادة قدرها 40% خلال عام واحد، وفق بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كما أدى النزاع إلى نزوح أكثر من 11 مليون شخص، بينهم أربعة ملايين غادروا البلاد، في واحدة من أكبر موجات النزوح عالمياً.

ويناقش مؤتمر برلين، بمشاركة ألمانيا والاتحاد الأفريقي وفرنسا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، سبل التعامل مع النزاع المستمر منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ظل غياب أي مؤشرات على قرب انتهائه.

وتعتمد المطابخ المجتمعية على شبكات المساعدة المتبادلة المحلية، التي تعمل من داخل المساجد والمراكز المجتمعية والمنازل، وغالباً بالتنسيق مع غرف الاستجابة للطوارئ. وقد لعبت هذه الشبكات دوراً محورياً في مواجهة تداعيات الحرب، حتى أنها رُشحت لنيل جائزة نوبل للسلام في عامي 2024 و2025.

ويؤكد العاملون في هذه المطابخ أن مئات العائلات تعتمد يومياً على الوجبات التي يتم إعدادها، والتي تتنوع بحسب المتوفر من الفول والعدس والأرز والمعكرونة. غير أن تراجع التمويل أدى إلى توقف العديد من هذه المبادرات، مع انسحاب المانحين الرئيسيين وتقلص الدعم الدولي.

وتشير المعطيات إلى أن التمويل الأمريكي، الذي كان قد وفر دعماً محدوداً في نهاية إدارة جو بايدن، توقف لاحقاً بعد إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عهد الرئيس دونالد ترامب، ما فاقم من أزمة التمويل. كما تراجعت مساهمات المجتمع المحلي والشتات السوداني مع استمرار التدهور الاقتصادي.

وانعكس هذا التراجع بشكل مباشر على تكلفة الوجبات، حيث تضاعف سعر الوجبة الواحدة خلال الأشهر الأخيرة، ما زاد من صعوبة استمرار المطابخ في أداء دورها. وفي بعض المناطق، اضطرت مطابخ كانت تقدم آلاف الوجبات يومياً إلى الإغلاق الكامل بسبب نفاد الموارد.

وتظهر الفوارق الإقليمية حجم التفاوت في تأثير الأزمة، ففي شمال دارفور، حيث يعاني أكثر من نصف الأطفال من سوء التغذية، أُغلقت 57% من المطابخ. وفي بورتسودان، أغلقت ستة من أصل سبعة مطابخ، بينما تمكنت بعض المناطق الأخرى من الحفاظ على نشاطها رغم الظروف الصعبة.

وتدعو المنظمات الإنسانية إلى تحرك دولي عاجل لدعم هذه المبادرات المحلية، محذرة من أن استمرار إغلاق المطابخ سيؤدي إلى كارثة إنسانية أوسع. وأكدت أن هذه المطابخ أنقذت حياة عدد لا يحصى من المدنيين، وأن توقفها يمثل تهديداً مباشراً للفئات الأكثر ضعفاً.

في السياق ذاته، لم يحصل نداء الأمم المتحدة الإنساني للسودان لعام 2026 سوى على 16% من التمويل المطلوب، مقارنة بأقل من 40% في العام السابق، ما يعكس فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية والاستجابة الدولية.

وتشير التقديرات إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفاقم غير مسبوق في معدلات الجوع والوفيات، في ظل غياب حلول سياسية للنزاع وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، ما يضع ملايين المدنيين أمام مستقبل مجهول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى