التضخم والحرب مع إيران يضعان الاحتياطي الفيدرالي تحت ضغط غير مسبوق

بدأ الرئيس الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش مهامه وسط واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي تواجه البنك المركزي الأمريكي منذ سنوات، في ظل تصاعد التضخم، واستمرار تداعيات الحرب مع إيران، وتزايد المخاوف من موجة غلاء جديدة قد تضرب الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

وأدى وارش اليمين الدستورية، الجمعة، في البيت الأبيض، خلفاً لـ جيروم باول، بينما يواجه ضغوطاً سياسية واقتصادية متناقضة، تتمثل في مطالب البيت الأبيض بخفض أسعار الفائدة لدعم النمو، مقابل مخاطر ارتفاع التضخم وتفاقم أزمة الطاقة العالمية.

وأكدت تقارير اقتصادية أمريكية أن بداية ولاية وارش تأتي في توقيت شديد الحساسية، مع وصول معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاث سنوات، بالتزامن مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي دفعت أسعار النفط والطاقة إلى الارتفاع وأعادت شبح التضخم العالمي بقوة.

ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خفف هذه المرة من لهجته العلنية تجاه الاحتياطي الفيدرالي، فإنه ما يزال يضغط بصورة غير مباشرة من أجل تخفيض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد والأسواق المالية قبل الانتخابات المقبلة.

وقال ترامب خلال مراسم تنصيب وارش إنه يريد من رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد أن يكون “مستقلاً بالكامل”، مضيفاً: “لا تنظر إليّ ولا إلى أي شخص آخر، افعل ما تراه مناسباً”.

لكن خلف هذه التصريحات، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يهدد بتباطؤ النمو وارتفاع كلفة الاقتراض، خصوصاً مع تصاعد الإنفاق العسكري والأزمات المرتبطة بالحرب مع إيران.

من جهته، حاول وارش تقديم نفسه بصورة أكثر استقلالية، مؤكداً أن مهمة الاحتياطي الفيدرالي ستبقى “الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف”.

وقال إن البنك المركزي سيعمل على “الإصلاح” والاستفادة من “النجاحات والأخطاء السابقة”، في إشارة ضمنية إلى الانتقادات المتزايدة لأداء الاحتياطي الفيدرالي خلال السنوات الأخيرة.

لكن التحدي الأكبر الذي يواجه وارش يتمثل في أن الظروف الاقتصادية الحالية تجعل خفض أسعار الفائدة خطوة محفوفة بالمخاطر.

فبحسب بيانات رسمية وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، ارتفع التضخم الأساسي في الولايات المتحدة إلى نحو 3.8 بالمئة خلال أبريل الماضي، فيما تجاوز التضخم المرتبط بنفقات الاستهلاك الشخصي 3.3 بالمئة، وهي مستويات أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2 بالمئة.

وفي هذا السياق، وجه محافظ الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر رسالة شديدة اللهجة قبل ساعات من تنصيب وارش، محذراً من أن التضخم “لا يتحرك في الاتجاه الصحيح”.

وأكد والر أن الظروف الحالية لم تعد تسمح بالحديث عن خفض قريب لأسعار الفائدة، مشيراً إلى أن سوق العمل الأمريكية ما تزال مستقرة نسبياً، ما يسحب أحد أهم المبررات السابقة لتخفيف السياسة النقدية.

وقال إن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر مستقبلاً حتى إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً إذا استمر التضخم في التصاعد أو فقد الأمريكيون الثقة بقدرة البنك المركزي على السيطرة على الأسعار.

وتعكس هذه التصريحات حجم القلق داخل المؤسسة النقدية الأمريكية من أن تتحول أزمة التضخم الحالية إلى وضع دائم، خصوصاً بعد سلسلة الصدمات الاقتصادية التي تعرض لها الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الأخيرة.

فبعد جائحة كورونا، جاءت الحرب في أوكرانيا، ثم أزمة الطاقة العالمية، والآن الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى موجات متتالية من ارتفاع الأسعار.

ويرى خبراء أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في ارتفاع الأسعار الحالية، بل في تغير توقعات الأمريكيين تجاه المستقبل، بحيث يصبح التضخم المرتفع جزءاً “طبيعياً” من الحياة الاقتصادية.

وشبه والر هذا الوضع بسلسلة متتالية من رميات العملة، قائلاً إن تكرار الصدمات الاقتصادية يدفع الناس تدريجياً للاعتقاد بأن التضخم المرتفع لم يعد استثناءً بل قاعدة دائمة.

كما تواجه إدارة وارش تحدياً إضافياً يتمثل في تأثير الحرب مع إيران على أسعار الطاقة والنقل والإمدادات العالمية.

فاستمرار إغلاق مضيق هرمز أو فرض رسوم إيرانية على الملاحة البحرية يهدد بإبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، ما ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والكهرباء والسلع داخل الولايات المتحدة.

ويرى محللون أن أي تصعيد جديد مع إيران قد يدفع أسعار النفط الأمريكي مجدداً فوق 100 دولار للبرميل، وهو ما سيزيد الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي ويجعل خفض الفائدة شبه مستحيل.

كما تشير التقديرات إلى أن السياسة المالية الأمريكية الحالية تزيد الوضع تعقيداً، في ظل استمرار الإنفاق الحكومي الضخم والاعتماد المتزايد على الاقتراض، وهو ما يضخ مزيداً من السيولة في الاقتصاد رغم محاولات الاحتياطي الفيدرالي كبح التضخم.

وأكد محللون في دويتشه بنك أن النمو الاقتصادي القوي نسبياً، واستقرار سوق العمل، وتسارع التضخم، والسياسات المالية التوسعية، كلها عوامل تشير إلى أن السياسة النقدية الأمريكية قد تكون حالياً “متساهلة أكثر من اللازم”.

ويرى مراقبون أن وارش يرث مؤسسة مالية تواجه أزمة ثقة متزايدة، بعد خمس سنوات متواصلة فشل خلالها الاحتياطي الفيدرالي في إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف.

كما أن الحرب مع إيران والتوترات العالمية جعلت مهمة البنك المركزي أكثر تعقيداً، حيث لم يعد التضخم ناتجاً فقط عن عوامل داخلية، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالصراعات الجيوسياسية والطاقة والتجارة العالمية.

وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي يدخل ولايته محاصراً بين ضغوط البيت الأبيض، ومخاوف الأسواق، وتهديدات التضخم، واحتمالات الركود، في واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ الاقتصاد الأمريكي الحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى