نيويورك تايمز: السعودية تعزز نفوذها الإقليمي وسط متغيرات السياسة الأمريكية

تستمر السعودية في تعزيز نفوذها الإقليمي والدولي وسط التغيرات السياسية في الولايات المتحدة، حيث تعكس تحركاتها الأخيرة توازناً دبلوماسياً دقيقاً بين القوى العالمية.
مع بدء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، تتجه الأنظار إلى العلاقات المتجددة بين الرياض وواشنطن، في ظل سياسات الرئيس الجديد التي لا تحظى دائماً بقبول السعوديين.
ورغم ذلك، يبدو أن السعودية تستفيد من عودة ترامب، ما انعكس على ارتفاع مكانتها السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية.
خلال الأسبوع الماضي، استضافت الرياض قمتين عربيتين بارزتين لمناقشة قضايا محورية، من بينها مقترح لإقناع الإدارة الأمريكية بعدم تهجير مليوني فلسطيني من غزة إلى الدول العربية وتحويل القطاع إلى منطقة اقتصادية متطورة.
كما شهدت العاصمة السعودية لقاءات بين شخصيات أمريكية وروسية رفيعة المستوى لمناقشة إنهاء الحرب في أوكرانيا، وهو ما يعكس دور الرياض كوسيط مؤثر في الأزمات الدولية.
التطورات الأخيرة تعزز الصورة التي تسعى المملكة إلى تقديمها كدولة رائدة في مجال السلام والدبلوماسية، حيث ترافقت المحادثات مع نشر شعارات مثل “دولة سلام” و”عاصمة القرارات العالمية” في وسائل الإعلام الحكومية.
هذا التوجه يتماشى مع استراتيجية ولي العهد محمد بن سلمان، الذي تمكن من استغلال التراجع الأمريكي في المنطقة لزيادة نفوذ بلاده، مستفيداً من ثروة السعودية ومكانتها الدينية.
في لقائه مع مبعوثي ترامب، أكد بن سلمان رغبة بلاده في التعاون مع الإدارة الأمريكية الجديدة، مشدداً على إمكانية تحقيق إنجازات إيجابية تخدم السعودية والعالم.
في المقابل، أشاد ترامب خلال قمة استثمارية في ميامي، استضافها صندوق الاستثمارات العامة السعودي، بدور الرياض في المحادثات بين واشنطن وموسكو، ما يعكس التقارب المتزايد بين الطرفين.
السعودية انتظرت تحولات المشهد السياسي بصبر، في وقت تراجع فيه نفوذ الدول العربية التقليدية مثل مصر والعراق وسوريا بسبب الاضطرابات الداخلية.
هذا الفراغ منح الرياض فرصة لتوسيع دورها كقوة إقليمية مؤثرة، وهو ما أكده محللون سياسيون، مشيرين إلى أن السعودية نجحت في بناء علاقات استراتيجية مع دول أخرى، بعيداً عن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة.
في السنوات الأخيرة، عززت المملكة علاقاتها الاقتصادية مع الصين وحافظت على موقف محايد في النزاع الروسي الأوكراني، ما سمح لها بالتوسط في تبادل الأسرى بين البلدين، إضافة إلى استضافة كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
إلا أن الأخير اضطر لإلغاء زيارته المخطط لها إلى السعودية بعد استبعاده من المحادثات بين روسيا وأمريكا حول الحرب، ما يعكس التوازنات الحساسة التي تحاول المملكة الحفاظ عليها.
إلى جانب ذلك، تبرز السعودية كعنصر رئيسي في جهود التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إبرام “صفقة كبرى” تشمل اتفاق سلام بين الرياض وتل أبيب، مقابل ضمانات أمنية أمريكية ودعم للمشروع النووي المدني السعودي.
غير أن المملكة ربطت أي تقدم في هذا المسار بضرورة إقامة دولة فلسطينية، وهو موقف أكدت عليه وزارة الخارجية السعودية مراراً، موضحة أنه “غير قابل للتفاوض”.
عودة ترامب إلى البيت الأبيض تضع الرياض أمام معادلة معقدة، خاصة مع مقترحات الإدارة الأمريكية بشأن تهجير الفلسطينيين من غزة والتغيرات السياسية في المنطقة.
وبينما يسعى ولي العهد إلى تحقيق مكاسب استراتيجية من خلال تحالف دفاعي مع واشنطن، فإنه في الوقت ذاته يواجه ضغوطاً داخلية وشعبية لرفض أي خطوات قد تضر بالقضية الفلسطينية.
الرد الرسمي السعودي على مقترح ترامب كان حاسماً، حيث شددت المملكة على أنها لن تمضي في أي تطبيع مع إسرائيل دون تحقيق حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية.
وسط هذه التحولات، تواصل السعودية تعزيز مكانتها كقوة إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، مستغلة نفوذها الاقتصادي وعلاقاتها الدولية المتشابكة، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات جيوسياسية كبرى.















